حوار موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مع النجل الأكبر للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، آية الله السيد مصطفى الحسيني الخامنئي:
الإمام الخامئي كان من أوائل منظّري الفكر الاجتماعي في الثورة الإسلامية
ما تقرؤونه هنا هو مقاطع من المقابلة الوحيدة حتى الآن مع النجل الأكبر لقائد الثورة الإسلامية الشهيد، آية الله الحاج السيد مصطفى الحسيني الخامنئي (دام ظلّه). لقد كان سماحته، على مدى سنوات حياة والده الجليل، يتجنّب الظهور في وسائل الإعلام وإجراء أي نوع من المقابلات. لكنّ إقامة مراسم تكريم المقام العلمي والروحي لآية الله السيد جواد الخامنئي (رحمه الله) هيّأت ظرفًا دفعه - بعد إلحاحٍ كبير من القائمين على هذه المناسبة، وبقصد أداء الحقّ والإشادة بشخصية جدّه الجليل الراحل آية الله السيد جواد الخامنئي - إلى القبول بإجراء هذه المقابلة. وفي هذه المقابلة، التي أُجريت في العام 2021م، طُرحت موضوعات متعدّدة، من بينها ذكريات شخصية، وكذلك بعض الخصائص المميّزة والفريدة لقائد الثورة الإسلامية الشهيد، وهي أمور جديرة بالقراءة والاهتمام. من هنا، وفي مناسبة أربعينية استشهاد قائد الثورة الإسلامية، اخترنا لقرّاء منصة KHAMENEI.IR بعض المقاطع من هذه المقابلة، التي يدور معظمها حول سماحته، مع شيء يسير من التصرّف والاختصار. أمّا النص الكامل لهذه المقابلة، فسيُنشر - إن شاء الله - ضمن العدد الخاص بتكريم آية الله السيد جواد الخامنئي (قدّس سرّه)، تحت عنوان «صحيفة الزهد»، عن دار نشر الثورة الإسلامية.
في سنوات صباكم، كان والدكم منخرطًا في النضال الثوري، وقضى مدة في عدد من السجون المختلفة. هل لديكم ذكرى عن المرحوم آية الله السيد جواد الخامنئي مرتبطة بتلك المرحلة؟
تعود إحدى الذكريات إلى حدود عام 1970 أو 1971، حين كان والدي مسجونًا في معسكر «الفرقة 77» في مشهد، وهو تقريبًا موقع مبنى المحافظة الحالي. ذهب سماحته إلى هناك لزيارة والدي، ومن الطبيعي أنّهم منعوه لأنّه كان معسكرًا، ولكنّه رفع عصاه بحركة حادّة، ويبدو أنّه ربما صرخ أيضًا، ثم دخل إلى المكان في نهاية المطاف. وبالطبع، لم يكن هو من يروي لنا هذه القصة بنفسه، بل أظن أنّ جدّتي أو شخصًا كان حاضرًا هناك هو من رواها لنا.
ثمة ذكرى أخرى في هذا الشأن ما تزال عالقة في ذهني، وتعود إلى تلك المدة نفسها من سجن مشهد، وإلى سنّ كنتُ فيها أكثر حساسية تجاه الأمور. كنتُ في كثير من الأيام أذهب وحدي إلى منزل المرحوم جدي؛ أي إنّ الوالدة وإخوتي كانوا يبقون في البيت، أمّا أنا، فلم أكن أبقى، بل كنت أذهب إلى هناك، وأحيانًا كنت أتناول الغداء أيضًا عندهم ثم أعود إلى المنزل.
وفي هذه الذكرى، إنّ معظم المواقف تتعلّق بجدّتي، وكانت تشمل المحبّة والمواساة والتعاطف، والدعاء على الشاه الذي كان قد سجن والدي. فمثلًا، كانت تقول بلهجة طفولية: ليت الشاه يُسحق تحت أقدام الفيل!
كنّا في محيط الأسرة نسمّي الجدّ «آغا»، ونسمّي الجدّة «خانم». وكان من بين الأبناء، والدي فقط وعمّنا الأكبر، هما اللذين حملا منذ الطفولة لاحقة «آغا»، أي: «محمد آغا» و«علي آغا»، وكانت كلمة «آغا» في البيت جزءًا من اسميهما، وتحمل طابعًا خاصًا ومميّزًا.
أذكر في ذلك اليوم أنّنا كنّا ثلاثة أشخاص تناولنا الغداء في الغرفة الصيفية في الطابق السفلي، وكان المرحوم جدي يستعدّ لأخذ استراحة، فالتفت إلى جدّتي وقال لها: «خانم، من الآن فصاعدًا لنسمِّ مصطفى: آغا مصطفى». أي اتُّفق على ذلك. أظنّ أنّ هذا الالتفات كان نابعًا من محبّته وعطفه في تلك المرحلة التي شهدت السجون والمنفى، إذ كان يريد - في الواقع - أن يخصّني بمزيد من العناية.
وفي مرّة أخرى أيضًا، حين كان والدي في السجن، وبسبب شفقته على زوجة ابنه وأحفاده، قال لوالدتي مواسيًا: «قفي عند النبي يوم القيامة، وقولي له: لقد تحمّلتُ كثيرًا من المشقّات بسبب قضايا ابنك، وتكبّدتُ عناءً كبيرًا». أي إنّكِ تحملتِ المتاعب ووقعتِ في أزمات بسبب ابنه. وكان هذا أيضًا نابعًا من شدّة عطفه وألمه.
لقد بقي والدنا ثمانية أشهر في سجن لجنة طهران [اللجنة المشتركة لمكافحة التخريب]، من دون أن يصلنا عنه أي خبر، وكنّا نحن صغارًا في السن، وكانت والدتي تتحمّل مشقّات كبيرة. ومع ذلك، لم أرها يومًا تتنهّد أو تشكو أو تعترض، وكانت هذه صورة من روحيّتها العجيبة في علاقتها بوالدنا. فرغم أنّها كانت امرأة شابّة، وكانت أحيانًا تشعر بوحدة شديدة وتعيش تحت ضغط كبير، فإنّها كانت تتحلّى بهذه الروحية.
حقًّا، كانت الظروف في غاية الصعوبة. إذ أذكر أنّ سماحة الوالد عاد عام 1975 من سجن «اللجنة»، وكان الأقارب مجتمعين في منزلنا في زقاق فريدون. وبعد أن دخل وجلس، قال في بداية الحديث مباشرة: «قالوا لي: إذا جئتَ المرّة القادمة، فستكون المرّة الأخيرة، ولن تعود بعد ذلك! أي: سنقتلك».
هكذا كانت الأوضاع، لكنّه لم يتراجع، بل واصل النضال من جديد، حتى انتهى الأمر باعتقاله ونفيه مرّة أخرى.
في إحدى المرّات الأخرى التي اعتُقل فيها سماحة الوالد، بينما كنّا موجودين في منزل جدّنا الراحل، حدث مشهد يكشف عن شجاعة جدّتنا. ففي ذلك اليوم، كان المرحوم جدي يستقبل ضيوفًا في المنزل، وكنتُ أنا ووالدي هناك أيضًا. وكان في بيت الجدّ غرفة تُعرف باسم «الغرفة الكبيرة»، وكانت تُقام فيها مجالس الضيافة. كان الضيوف جالسين فيها، وفجأة طُرق باب الفناء الذي تتوسطه البركة، ويبدو أنّ جدّتي أدركت أنّ الطارقين هم عناصر «السافاك». وكان ذلك العنصر المعروف من «السافاك»، غضنفري، حاضرًا أيضًا، وقد رأيته بنفسي.
قالوا لي: «اذهب ونادِ أباك». فذهبتُ وناديتُ والدي، فخرج من الغرفة. وفي أثناء ذلك، وقبل أن يُفتح الباب بعد، كان أحد عناصر «السافاك» قد دخل المنزل من باب آخر، ورأيتُ رجلًا يخرج من الممرّ الفاصل بين الفناءين. وقبل أن يصل والدي، كانت جدّتي قد تنبّهت إلى الأمر، وبدأت بكلّ شجاعة تصرخ في وجه عناصر «السافاك»، وتتشاجر معهم، وتلعنهم، إلى أن جاء والدي فحال بينهم وبينها؛ أي إنّه هو الذي واجههم مباشرة، فاعتقلوه واقتادوه معهم. وأنا أيضًا عدتُ وحدي إلى منزلنا.
وهنا، فضلًا عن مشهد دخول أحد العناصر خِلسة إلى داخل البيت، من دون أن تخاف هي إطلاقًا، فإنّ النقطة الأهمّ كانت موقف جدّتي الشجاع حقًّا، والخالي تمامًا من أيّ خوف، وهو ما يدلّ على الروحية لهذه السيدة.
في مرّة أخرى أيضًا، حدثت مواجهة فعلية، وكانت هذه المرّة في منزلنا نحن، في حادثة نفي سماحة الوالد.
في آخر مرّة اعتُقل فيها سماحة الوالد واقتيد إلى المنفى، كان تعاملهم عنيفًا جدًّا؛ حتى إنّهم ركلوا ساقه بقسوة شديدة، فسالت الدماء منها على الأرض.
وقبل النفي، حين ذهبنا لزيارته في مكان الاحتجاز، رأينا ذلك الجرح في ساقه. ومع ذلك، كان سماحة الوالد هناك أيضًا بمعنويات عالية، بل أرانا موضع الإصابة وهو يضحك ويمزح، وكان الجرح على شكل هلالٍ دامٍ. أمّا تفاصيل الحادثة، فكانت على النحو التالي: كانت الساعة تقارب الثالثة والنصف فجرًا، وكنّا جميعًا نيامًا في البيت، وفجأة سُمِع طرقٌ على باب المنزل، الذي يقع مقابل مدخل الصالة. ويبدو أنّ سماحة الوالد كان قد استيقظ وتوجّه نحو الباب.
والنقطة المهمّة هنا أنّه في أواخر تلك المرحلة، كان قد شاع أنّ عناصر «السافاك» يدخلون البيوت من دون تعريف بأنفسهم أو إبراز أيّ صفة، فيقتلون الثوريين، ثم لا يُعرف بعد ذلك من الفاعل.
كان باب منزلنا مصنوعًا من الألمنيوم، وفيه زجاج مربّع ومُعرّق. في البداية، تحفّظ سماحة الوالد واحتاط، ولكنّه في النهاية فتح الباب قليلًا، فإذا بمسدّس يدخل من فتحة الباب إلى الداخل. فعمد فورًا إلى إغلاق الباب بالقوّة، وقال لهم: «أرونا الحكم أو البطاقة، حتى نعرف من أنتم». لكنّهم حطّموا الزجاج، وفتحوا الباب، واقتحموا المنزل. أنا شخصيًا استيقظتُ على هذا الضجيج منذ لحظة دخولهم. وحين دخلوا، ركل أحدهم فورًا ساقه بقوّة، حتى سال شيء من دمه على الأرض. ثم شرعوا في بعثرة المكتبة والعبث بها. وأثناء ذلك، جاء أحدهم ووقف فوق رؤوسنا حاملًا سلاح «يوزي». وكان خالُنا ينام في غرفة أخرى. كنّا جميعًا مذعورين بسبب هذا الهجوم. وهنا، وببركة وجود أخينا الصغير - وكان عمره ثلاثة أشهر - دُفعت عنّا بلايا كثيرة؛ إذ إنّ والدتنا، وبحسن تدبير منها، وتحت ذريعة إعداد قنينة حليب للطفل، أخفت تلك المنشورات تحت الشادور ونقلتها من مكان إلى آخر. وخلاصة الأمر، أنّهم عندما غادروا كان أذان الفجر قد رُفع. فصلّى سماحة الوالد صلاة الصبح، ثم اقتادوه بعد ذلك.
لو تكرّمتم، هل تصفون لنا قليلًا علاقة قائد الثورة الإسلامية المعظّم بوالده الراحل؟ كيف كنتم ترون هذه العلاقة في تلك المرحلة؟
ليس من السهل عليّ أن أصف هذه العلاقة وصفًا دقيقًا، لكنّي أرى أنّ ذلك الإحسان إلى الوالدين الذي أُوصينا به، كان سماحة الوالد يطبّقه على خير وجه. أي إنّ ذلك الاهتمام والعناية اللذين يُوصى بهما تجاه الأب والأم، كان يؤديهما على خير وجه، وكان - بتعبيرٍ دارج - يعرف كيف يؤدّيهما حقّ الأداء. ولذلك إنّ أيّ شخص كان يرى علاقة سماحة الوالد بوالده، كان يصفها بأنّها علاقة مفعمة بالمودّة والاهتمام.
وفي مشهد أيضًا، كانت هناك تلك العادة الصباحية عند الساعة 8، إذ كان يذهب كلّ يوم لزيارة المرحوم جدي. وكذلك إنّ عودته من قم إلى مشهد في مدة طلب العلم، بناءً على رغبة المرحوم جدي، وبطبيعة الحال بقرارٍ من والدي، هي أيضًا من الأمور المعروفة؛ إذ إنّه في تلك المدة كان يتولّى بمفرده رعاية والده وشؤونه. وكانت علاقة سماحة الوالد بوالده، حتى بعد مجيئه إلى طهران، علاقةً طيّبة جدًّا.
وفي مدة رئاسته للجمهورية، رأيتُ مرّات عدّة أنّه، رغم أنّ إحدى يديه كانت تؤلمه كثيرًا، وكانت شبه معطّلة تمامًا، فإنّه كان يواصل هذا النوع من الرعاية. وأذكر مرّة أنّه نقل والده بنفسه من الغرفة إلى الشرفة التي كان يضمّها ذلك المبنى، ثم غطّاه بالبطّانية بتلك اليد الواحدة. وكان الفرّاش يأتي بالشاي، ثم يجلس هو إلى جانب والده جلسةً مِلؤها المودّة. ورغم أنّ المرحوم جدي، الذي كان عمره آنذاك يقارب التسعين عامًا، لم يكن شديد الدفء أو التفاعل، فإنّ والدي كان يأنس به، ويتعامل معه بحرارة.
ربما لا أستطيع أنا الآن أن أؤدي هذا العمل لسماحته بتلك الكيفية، لكنّ سماحته، في تلك الفرصة القليلة نفسها، ربما كان يقول شيئًا يجعل المرحوم جدي يبتسم أيضًا ويمزح. وبحسب ما نقله الآخرون أيضًا، كان سماحة الوالد، في الأصل، أكثر الناس أُنسًا بجدّنا المرحوم.
ومن المصادفات أنّه في عام 1981، الذي تعرّض فيه سماحة الوالد لمحاولة اغتيال، حضر المرحوم جدي إلى طهران. في تلك البدايات، كانت يده تؤلمه بشدّة، وكان الأطباء يسعون إلى أن يخففوا ألمها قليلًا بجهودهم. وأذكر أنّه، في الوقت نفسه الذي كانت يد والدي تؤلمه فيه، أخذ والده إلى الحمّام بمساعدة بعض الأصدقاء، مثل المرحوم السيد شمقدري (رضوان الله عليه). في ذلك الوقت، كان عمر المرحوم جدي يقارب التسعين عامًا، وكان من الصعب على الوالد أن يؤدي هذا العمل وحده، لكنّه، مع ذلك، لم يُقصّر في خدمة والده، وكان يسعى إلى أن يباشر ذلك بنفسه شخصيًا، مع أنّه في ذلك الوقت كان متاحًا له أن يطلب من الآخرين إنجاز مثل هذه الأعمال.
وفي مدة رئاسة الجمهورية، كانت مشكلة اليد تلك قائمة، وكان سماحة الوالد يعاني باستمرار من ألم في عصب اليد، وربما كان يستيقظ لياليَ كثيرة من نومه؛ وكانت هذه المشقات قد أصبحت جزءًا من البرنامج المعتاد لحياة سماحته، ولم يكن يُظهر ذلك أصلًا. إنّ الألم العصبي شديد جدًا ومؤلم، لكنّه، رغم ذلك الألم، كان يشارك في الجلسات أيضًا ويدير الأعمال. والمقصود أنّه، مع قلّة وقته المتاح ومع هذه المشكلة أيضًا، لم يكن غافلًا عن الاهتمام بوالده. وهناك شريطٌ بالغ الأهمية يتعلّق بما بعد صلاة الصبح في المنزل الواقع خلف مبنى مجلس خبراء القيادة الحالي. وفي ذلك الشريط، كان سماحته يتحدّث مع والده، شبيهًا بتلك الجلسات التي كانت تُعقد في الساعة الثامنة صباحًا في مشهد، ومن السنخ ذاته من تلك الأحاديث والمناقشات؛ مثلًا: قال فلان من العلماء كذا، وذكر فلان في الكتاب الفلاني كذا، أو الحديث عن قضايا الثورة الدستورية. وفي إحدى المرّات أيضًا، علم المرحوم آية الله المشكيني (قدّس سرّه)، حين كان في طهران، أنّ المرحوم جدي موجود في طهران، فقال: «أريد أن آتي لزيارته». وكان والد آية الله المشكيني في النجف، وكان هو نفسه أيضًا قد قضى مدةً طالب علم في مشهد، وكان يعرف المرحوم جدي من قبل. فجاء بعد صلاتَي المغرب والعشاء إلى منزلنا. وكانوا قد فرشوا السجاد في الفناء، وانعقدت هناك جلسة وشرعوا في الحديث. وهناك، كان يُرى حقًا مدى مراعاة المرحوم آية الله المشكيني للآداب الدينية. لقد أتى إلى جدّي بمنتهى التواضع. وكان المرحوم السيد المشكيني (رضوان الله عليه) حسن الحديث وعذب الكلام جدًا. وكان أساسًا، على الأقل بين العلماء المعاصرين، نادر النظير حقًا من جهة البلاغة، وهذا واضح أيضًا من خطاباته. وكنت أراه كثيرًا، وبسبب الألفة التي كانت بينه وبين والدي، كانوا يأتون صيفًا، حين يكون الجو في قم حارًا، مع العائلة إلى مبنى فارغ في رئاسة الجمهورية، وكانوا يتمشّون عصرًا في الفناء. وكان سماحة الوالد يأتي أيضًا لصلاة المغرب والعشاء ويأتمّ به.
وجزء من الذكريات التي لدينا من مدة رئاسة الجمهورية يتعلّق أيضًا بذكريات الفطور في منزل المرحوم جدي في مشهد. كان سماحة الوالد، في مدة رئاسة الجمهورية، حين يسافر إلى مشهد، يتوجّه إلى غرفة في الحرم (في الطابق العلوي) في نهاية رواق الإمام [الخميني] الحالي. وكان ذلك القسم مخصّصًا للرجال، فإذا كانت والدتي معنا، كانت تذهب مع إخوتي إلى منزل والدتها. أمّا أنا، فكنت في الحرم مع والدي. وقد حدث مرّات عدّة أنّ سماحة الوالد قرّر في تلك الأسفار أن يذهب لزيارة والدَيه. ولذلك، كانت شاحنة صغيرة مغطّاة، تُستخدم أحيانًا لنقل الطعام، تأتي إلى العتبة في الصباح الباكر، وكان سماحته يركب في القسم الخلفي من الشاحنة نفسها مرتديًا المعطف والقبعة. وكان فريق الحماية قد سبقنا، وكانت الجدة والجد في الانتظار. وهناك، كان يتناول الفطور مع والديه، وكان سماحته يتعامل مع والده ووالدته بتلك الحالة من الودّ والوجه البشوش، ثم مثلًا، بعد ساعة، كنّا نعود.
ولديّ أيضًا في ذهني ذكرى أخرى عن نوع العلاقة بين سماحة الوالد وجدّنا المرحوم، وإن كنت متردّدًا في بعض تفاصيلها. أصل القصة هو أنّ سماحته ذهب مرّةً إلى منزل والده، إلى تلك الغرفة السفلية نفسها. فانحنى احترامًا وقبّل قدم والده. ثمّ نقل له المرحوم جدي: «لقد رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في المنام، فقلت له: هل تأذن لي أن أقبّل قدمك؟ فأذن لي، فقبّلت قدمه».
هذا الاهتمام بالأب والأم استمرّ حتى بعد وفاتهما أيضًا. فمن الأعمال التي نعرفها مثلًا أنّ سماحته، في أوائل المدة التي تلت وفاة والده المرحوم، وربما بعد وفاة والدته أيضًا - التي توفّيت بعد المرحوم جدي بثلاث سنوات وشهر واحد - كان يقول: «أنا أصلّي كل يوم ركعتين لأبي وأمي».
وفي مدة ما أيضًا، كان سماحته، قبل صلاة الظهر والعصر، يصلّي عن والدته صلاة يومٍ وليلةٍ كاملَين؛ مع أنّه، من الناحية الفقهية، ليس هو الولد الأكبر، فلا يكون ذلك واجبًا عليه. ومن المناسب أن أذكر هنا أيضًا أنّ رأي سماحته بشأن قضاء صلاة الأب هو أنّ هذا الحكم لا يختصّ بالأب، بل يشمل الأم أيضًا.
وقال سماحته ذات مرّة أيضًا: «رأيت المرحوم الوالد في المنام، فقال: اقرأ سورة البقرة عنّي مرّتَين».
في رأيكم، ما هي الجوانب في شخصية سماحة الوالد التي تأثّرت من والده؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال على نحوٍ ظنّي ممكنة، أمّا الإجابة القطعية، فصعبة. وأنا أستخدم هنا تعبير النبل أو عزة النفس، وهو ما تجلّى عند سماحته، ولا سيّما في عالم السياسة. فعلى سبيل المثال، وبسبب سلامة الباطن نفسها التي يتجلّى ظهورها في صورة الزهد، لم أسمع أنّ المرحوم جدي سعى يومًا إلى استغلال اجتهاده أو، باختصار، من مكانته، حتى إنّه - في ما يبدو - اعترض على تسمية زقاق باسم «الخامنئي» في حياته. وكان حذرًا حتى في المسائل الأبسط من ذلك بكثير. فمثلًا، سمعت أنّ خبّاز الحي، وكان اسمه محمد آغا، حين كان جدّي يذهب ليشتري الخبز، كان يريد - احترامًا لكون المرحوم جدي عالمًا وسيّدًا - أن يعطيه الخبز قبل دوره، لكنّ المرحوم جدي لم يكن يقبل بذلك.
وفي هذا السياق، راودتني ذكرى تتعلّق بهذه الخصائص نفسها. ذات مرّة، في مرحلة صباي، كنّا جالسين معه في غرفته نفسها في الطابق العلوي. فقلت له: «هل أنت آية الله؟» فأجابني بتواضعٍ خاص، وكان مقصوده أنّ هذه الألقاب والعناوين ليست مهمّة. أو مثلًا، كان عمّنا يكتب عنه في بعض المواضع «حضرة آية الله فلان»، فكان المرحوم جدي يشطب كلمة «آية الله» من اسمه. ويبدو أنّ حياة المرحوم جدي كانت قد تشكّلت على هذا الأساس: أن يبتعد عن تلك الأمور، وألّا يضع نفسه - على حدّ التعبير - في الواجهة. ولذلك إن مثل هذا الشخص لا تكون له حلقات درس كثيرة، ولا تلاميذ، ولا مؤلفات، ولعلّ منشأ ذلك فعلًا هو هذا الانكفاء نفسه، ويرجع إلى تلك الخصائص بعينها.
لقد كان جدّنا تلميذًا للمرحوم الآغازاده في «الكفاية»، وكانت لديه نسخة من كتاب «الكفاية» يبدو أنّ نسخة المرحوم الآغازاده كانت ملحوظةً فيها. وخلاصة القول إنّه أخذ أسرار «الكفاية» أو دقائقها من ابن المرحوم الآخوند، وعلى القاعدة كان متمكّنًا منها. ومن الطبيعي أنّ شخصًا بهذه التجربة، لو أراد، لكان يستطيع مثلًا أن يدرّس «الكفاية» في مشهد. ففي النهاية، كان رجلًا مقدّسًا، وكان صاحب علم أيضًا؛ أي إنّه كان يملك جاذبية القداسة وجاذبية العلم معًا. لكنّ هذا العزوف عن التدريس قد يكون مرتبطًا بهذه الخصلة نفسها. وفي رأيي، إنّ هذه الخصيصة مشتركة - في الجملة - بين والدي وبين المرحوم جدي.
ونقطة أخرى هي أنّني أرى أنّ الجوّ داخل منزل والدي جوٌّ مفعم بالصفاء؛ وعلى حدّ التعبير المعروف: «إن لم يكن فيه رونق، ففيه صفاء». حياتهم بسيطة، لكنّها حياة فيها صفاء، وأحد أركان هذا الصفاء هو هذه الخصلة الموجودة عند سماحته؛ فهو، على حدّ التعبير، لا يصعّب الأمور. افترضوا مثلًا أنّ الغداء لم يكن قد أصبح جاهزًا في أحد الأيام - مع أنّ هذا نادر جدًا - واضطرّ، مع هذا العمر وهذه المشاغل، أن ينتظر ساعةً كاملة. قد يعبس بعض الناس، لكنّه، من دون أن يُظهر شيئًا، ينشغل بالحديث مع الأحفاد والمزاح معهم. وهذه أمور كنّا نراها دائمًا على مرّ الزمن. وبالطبع، إنّ الركن المهم الآخر في صفاء هذا المنزل هو والدتنا؛ فإلى جانب هذه الخصلة عند سماحته، هناك أيضًا متابعة والدتنا وجديّتها واهتمامها الاستثنائي. ولهذا، فهذه الأمور هي التي تمنح أجواء الأسرة ذلك الصفاء.
وعلى المستوى الكلّي أيضًا، لدى سماحة الوالد سلوكيات ترجع جذورها إلى هذه الخصائص نفسها، أي صفاء الباطن وعزة النفس. ففي بعض الأحيان، كان بعضهم يسيء إلى سماحته إساءات بالغة، لكنّه رغم ذلك لا ينسى أن يطلب لهم المغفرة. ففي إحدى المرّات، قال أحد الأشخاص بحضرته، بحدّة: «لعن الله فلانًا!» وكان المقصود شخصًا ارتكب إساءات كبيرة جدًا، وعلى حدّ التعبير «لم يُشهر سيفه فقط، بل أخرجه من غمده أيضًا، وهاجم، ووجّه ضربةً، وقد أصابت هذه الضربة فعلًا». حتى إنّ سماحته قال للناس، في جلسة عامة هنا في هذه الحسينية، عن فعل هؤلاء: «إنّ الله حلّ هذه المسألة». وكما إنّ الإمام الراحل نسب تحرير خرمشهر مباشرةً إلى الله، فإنّ سماحة الوالد أيضًا نسب حلّ هذه المسألة مباشرةً إلى الله. فقال لذاك الشخص: «إلى الآن، لم ألعن مثل هؤلاء الأشخاص، ولم أطلب من الله موتهم». وقد بدا لي هذا أمرًا عجيبًا، ويُظهر أنّ الإنسان لا بدّ أن يملك رصيدًا باطنيًا يتكئ عليه لكي يُبدي هذا القدر من الحلم وسعة الصدر. وهذه النقطة أيضًا يمكن أن تكون متجذّرةً في خصائص والده المرحوم.
وأمّا الزهد، فالأمر كذلك حتمًا. ولا سيّما أنّ سماحة الوالد وأخاه الأكبر نشآ في بيئة ذاقا فيها الفقر والضيقة، ولكن مع حفظ العزّة. أي إنّ والدهما لم يكن من النوع الذي يذهب، بسبب الفقر، إلى هذا وذاك، أو يُقدم على مثل هذه الأمور. وبالطبع، فإنّ جدتي أيضًا كانت متعاونةً مع هذه الظروف. فعلى سبيل المثال، يَرِدُ في ذكريات والدي أنّه قال كيف كانت والدته تخيط للأطفال ثيابًا من عباءة المرحوم جدي البالية، وأمثال هذه الأعمال.
وخصلة مشتركة أخرى كانت موجودة أيضًا عند المرحوم جدي، هي الاهتمام بالمطالعة. كان جدّنا شديد الاهتمام بالقراءة، وحتى في أسفار طهران، كان سماحة الوالد أو أخوه يجلبان له الكتب. والآن أيضًا، يقرأ سماحته كثيرًا، رغم كثرة مشاغله، فإنّ المطالعة دائمًا هي المقدّمة التي تسبق نومه. وطوال هذه السنوات، قرأ من الكتب ما يوازي مكتبةً كبيرة فعلًا، ولا يظهر من ذلك إلّا عددٌ قليل جدًا عبر الحواشي والتقاريظ. وهذه الخصلة أيضًا، في رأيي، مشتركة بين الأب والابن. وكذلك قلّة الطعام وقلّة الأكل هي أيضًا من خصالهما المشتركة.
بشأن ما ذُكر عن الزهد؛ قد يفتقر المرء أساسًا للرغبة في الرفاهية، فضلًا عن افتقاره للإمكانات، فيكون زهده حينها زهدًا اضطراريًا (سلبي القيمة). لكننا نسمع عن المرحوم آية الله السيد جواد الخامنئي أنه كان صاحب ذائقةٍ واهتمامٍ بتفاصيل الحياة الكريمة، وكان في وسعه - لو أراد - أن يوفر لنفسه عيشًا أكثر رغدًا وسعة. نرجو منكم توضيح هذا الجانب.
نعم، هذا وجه صحيح؛ فلو أراد المرحوم جدي أن يقيم علاقات مالية مع الأصدقاء والمحيطين به، لكانت حياته بالتأكيد أكثر سعةً؛ ولا سيما بعد اشتغال أبنائه في مناصب بالجمهورية الإسلامية، إذ كان في إمكانهم أن ينقلوا تلك السعة إلى حياة والدهم، ولكن بيئة ذلك البيت وتلك الأسرة كانت قائمة بالكامل على الاحتياط الذي يلتزمه أهل التقوى في مثل هذه المسائل.
أذكر أن المرحوم جدي طرح ذات مرة - في هذا المنزل الواقع خلف مجلس الشورى السابق حيث أقمنا لمدة أثناء رئاسة والدي للجمهورية - شبهةً شرعية على سماحة الوالد، متسائلًا عما إذا كان بقاؤنا في هذا المكان غصبًا، كونه ليس ملكًا شخصيًا. فأوضح له سماحة الوالد أن له الحق شرعًا وقانونًا في استخدامه.
وهذه الحالة من الاحتياط موجودة لدى سماحة الوالد أيضًا؛ فعلى سبيل المثال، كان في غرفته الخاصة قبل الثورة خزانة تضم أكياسًا قماشية تحتوي على الوجوهات الشرعية؛ فقد كان وكيلًا للإمام الخميني ويرسلها إليه، وكان له الحق في التصرف بجزء منها، ومن ذلك الجزء المتاح حدد لنفسه مبلغًا بسيطًا بوصفه مرتبًا. كنا ثلاثة أبناء في المنزل، وكان الزوار يتوافدون علينا بكثرة، لدرجة أن سماحة الوالد طلب من والدتنا أن تطبخ يوميًا طعامًا يزيد على حاجتنا بمقدار شخص واحد؛ توقعًا لطرق الباب في أي لحظة، وكان هذا أمرًا طبيعيًا جدًا لنا آنذاك.
ومع ذلك، حين كان ينفد ذلك المبلغ المخصص، لم يكن يمد يده إلى أموال الوجوهات، رغم أنها كانت حلالًا له شرعًا وضرورية لحاله. ووصل به ضيق الحال ذات مرة أنني أذكر ليلة كان فيها باجتماع مع مجموعة في منزل أحد الأصدقاء، ولأن المنزل كان قيد الإنشاء ولم يُفرش بعد، كانوا جميعًا جالسين على أقدامهم، فقال أحد الحاضرين لسماحة الوالد: «إن لك بذمتي مئة تومان». ويبدو أن سماحة الوالد لم يكن يملك شيئًا حينها، فقال له فورًا: «أعطني إياها»، فأعطاه.
واستمر هذا المنهج بعد الثورة؛ ففي مدة الحملة الانتخابية لانتخابات رئاسة الجمهورية (عام 1985)، قدم له أحد الأصدقاء مبلغ ثمانمئة ألف تومان للمساعدة في حملته. قبِل سماحة الوالد المبلغ، لكنه سلمه بالكامل للإمام الخميني (قده) لتغطية التكاليف المتعلقة بمحل السكن والمباني الحكومية. ورغم أن مصاريف معيشتنا وطعامنا كانت كبقية الشعب عبر البطاقات التموينية، ولكنه دفع ذلك المبلغ للإمام لمجرد سكنه في ذلك المنزل، وقد رفض الإمام تسلم المبلغ في البداية قائلًا إنه لا داعي لذلك، لكنه قبلها أمام إصرار سماحة الوالد.
لقد كان حريصًا على رعاية بيت المال كي لا يبقى في ذمته شيء. وهو الآن بمنزلة موظف لدى النظام، لكنه لا يتقاضى راتبًا أبدًا، وتُقضى شؤون حياته من التبرعات والهدايا وما شابه. وهذه هي الحال طوال الثلاثين عامًا الماضية وأكثر. بل إنه دفع أخيرًا قيمة السكن وما شابه مما كان يُعدّ حقًا له في السابق، إذ احتسب تكلفته حتى عن السنوات الماضية وسددها.
ومن نماذج هذا الاحتياط في السنوات الأخيرة - مع كثرة التردد على العتبات المقدسة - أنهم أحضروا له مرات عدة قطعًا من الرخام المطهر الناتج من ترميم قبور الأئمة (عليهم السلام)، لكنه كان يحتاط ويرفض قبولها، خشية أن تكون تلك الحجارة لا تزال قابلة للاستخدام في الضريح المطهر. طبعًا هو لا يفرض رأيه على الآخرين، لكنه يلتزم بهذه الاحتياطات والقيود في خاصة نفسه من دون أي تظاهر.
دعونا ننتقل إلى جانب آخر من حياة المرحوم آية الله السيد جواد الخامنئي وشخصيته. كيف كانت علاقة المرحوم جدك بالإمام الخميني وبالثورة؟
أصدر الإمام الخميني (قده) برقية تعزية عقب وفاة المرحوم جدي. ويبدو أن جدي كان على معرفة بالإمام عمومًا، وكانت جدتي تقول إن الإمام زار منزلنا. كانت جدتي ثورية وبالمصطلح الدارج «حزب اللهية»، لذا لم تكن علاقتها جيدة بابنتها الوحيدة التي سلكت مسارًا مختلفًا، وكذلك كان جدي... باختصار، رغم أن المرحوم جدي لم يمتلك تلك الروحية الاجتماعية التي يمتلكها سماحة الوالد، ولكن سجلّ حياته حافل بمناهضة النظام الملكي؛ فذات مرة كتب برفقة أربعة من العلماء رسالة انتقادية لرئيس الوزراء، وكان لتلك الرسالة وقعٌ لافت.
وإذا قارنا ذلك بسماحة الوالد وعقليته السياسية والاجتماعية؛ نجد أنه حين كان في المنفى بمدينة «إيرانشهر»، كتب مع أربعة من المنفيين رسالة احتجاجية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأدى نشاطات مشابهة كانت تعبر بعمق عن النضال ضد النظام.
ذات مرة، وبينما كان سماحة الوالد في منفاه بمدينة إيرانشهر، زاره المرحوم الشهيد صدوقي. وهناك دارت بينهما نقاشات، ويبدو أن سماحة الوالد طرح في ذلك الجمع طرحًا فكريًا قويًا وعميقًا نال إعجاب شخص كالشيخ صدوقي أيما إعجاب، حتى قال له: «اكتب لي رسائل»، قاصدًا بذلك رغبته في الاستفادة من فيوضاته الفكرية وتحليلاته للشؤون الدينية والسياسية. يأتي هذا رغم الفارق العمري الكبير بينهما؛ إذ كان الشيخ صدوقي حينها شيخًا في السبعين من عمره، وبمنزلة الوالد لسماحة الوالد، في حين كان هو شابًا مفعمًا بالحماسة، متبحرًا في العلم، وصاحب «مبنى»، وأنا أؤكد هنا كونه صاحب «مبنى»؛ أي إنه كان مجتهدًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. وعلى أي حال، فقد كتب سماحة الوالد للشيخ صدوقي رسالتين تبيينيتين ما تزالان موجودتين، وتكشفان بوضوح عن عمق منهجه العلمي واجتهاده.
ولعلنا نستطيع القول إن سماحة الوالد كان من أوائل المنظرين لهذا الفكر الاجتماعي؛ وهو ما يظهر جليًا في آثاره المنشورة من نقاشات تلك الحقبة، حيث نرى شابًا في الثلاثينيات يطرح مباحث غاية في الدقة. وأي فرد لديه إلمام بالمسائل الدينية يدرك أن تلك الأطروحات كانت رائدة وجديدة. أتذكر جيدًا أن غالبية مخاطبيه كانوا من الشباب والجامعيين، وهو نسيج سكاني كان يعدّ غريبًا في ذلك الركن من مدينة مشهد آنذاك. واليوم، وبصفتي طالبًا للعلوم الدينية، أدرك أن تلك الرؤى وطريقة التفكير التي كانت تتسق تمامًا مع أسس الثورة، كانت من طلائع ذلك الفكر الأصيل.
طبعًا، في ذلك الزمان، كان المناضلون الميدانيون الممسكون بزمام المبادرة قلة قليلة؛ ناهيك بأن بعض المناهضين للشاه كانت لديهم إشكالات أعمق، كأن يكونوا شيوعيين مثلًا، لديهم خصومة مع أصل الأسس الدينية ويسعون وراء أهداف أخرى.
كيف كان المنهج السلوكي لآية الله السيد جواد الخامنئي؟ وهل تأثر بشخصية معيّنة؟
ربما لا يمكن الحديث في هذا الشأن على نحو قطعي؛ فذلك يتطلب سماع أقوال أو مشاهدة سلوكيات ذات دلالة خاصة. والنكتة الأخرى في مثل هذه الأمور هي أنها غالبًا ما تكون طي الكتمان؛ فما نُقل عن سلوك العظماء ومعنويتهم انكشف غالبًا بمحض المصادفة، لا لأنهم سعوا إلى إفشائه. في النجف الأشرف، ربما كانت للمرحوم جدي صلات بالمرحوم الكشميري أو المرحوم السيد القاضي، لكن لا نعلم يقينًا أيًّا من هؤلاء الأكابر كان مسلكه يشبه مسلكه. لكنه، في نهاية المطاف، كان إنسانًا متعبدًا، شديد التقيد بالمستحبات، ولا سيما نافلة الليل...
كنت أرى المرحوم جدي، مثلًا، يأتي بعد استراحة الظهيرة ويجلس وسط العائلة في حالة خاصة من الصمت؛ وهذا الصمت قد يكون مؤشرًا إلى توجهات باطنية. لقد كان قليل الكلام جدًا، ولم يكن من النوع الذي يجلس ليتحدث ويسرد القصص. وهذه الحالة قد تعود لالتزامه بمنهج معنوي وقيود خاصة يفرضها من يسلك طريق الرشد والكمال الروحي. ومع ذلك، يظل هذا كله في إطار «اللازم الأعم» قياسًا بسؤالكم، والحقيقة أننا لا نعلم عن هذا الجانب شيئًا يُذكر.
في السياق ذاته، ما هو تحليلكم بشأن سماحة الوالد؟
التعبير الذي يحضرني بشأن سماحة الوالد هو أنه يميل بشدة إلى «التستر» في هذه المقامات. وما شهدناه في هذا الصدد هو اهتمامه البالغ بهذا الشأن، وحبه للاستماع لمن يتحدث في هذه الآفاق. ومن جانب آخر، نجد روحًا من المحبة الخالصة تجاه سماحة الوالد من أهل المعنى والسلوك الذين يزورونه؛ فثمة فرق بين أن يستدعي الحاكم أحدًا فيأتي على مضض، وبين أن يأتي هؤلاء الأكابر بفيض من الشوق والمودة.
على سبيل المثال، المرحوم السيد الدولابي (قدس سره) - الذي كان يرافقه السيد مرتضى نبوي - كان يرسل أحيانًا ويقول: «لقد اشتقت إليه»، وكان يرغب بنفسه في المجيء. وكذلك الاهتمام الذي كان يبديه آخرون كالمرحوم الشيخ البهجت؛ فقد كان يخصّ سماحة الوالد بلطفٍ خاص، ويرسل إليه التوصيات أحيانًا عبر بعض المقربين، ولعل أحد دروس سماحة الوالد كان بتوصية منه، وهذا يدل على عناية هؤلاء الأعاظم ومحبتهم لسماحته.
ومن هؤلاء أيضًا المرحوم السيد معلم دامغاني، الذي توفي قبل سنوات؛ فقد كان يرتدي اللباس المدني (غير معمّم)، وكان صديقًا للإمام الخميني، وكان مناوئًا للفلسفة. أذكر جلسة ضمت سماحته والوالد وأنا وأخي في الغرفة ذاتها بالمبنى الرقم (2)؛ وبعد انتهاء الجلسة، وبينما كنا نودعه خارجًا، أوصاني بقراءة سورة معينة من القرآن حفظًا لسماحة الوالد. وأحيانًا كنت أرى بعض الأعلام الآخرين وهم يهمون بالخروج، يسرون لسماحة الوالد ببعض النقاط والتوصيات الخاصة.
كان ذلك يعكس عناية هؤلاء الأكابر بسماحة الوالد وميلهم إليه، وهو ما كان يتجلى بصور شتى. ويحدوني تصور - على سبيل الاحتمال - بأنه وراء هذه الروابط الظاهرية وتلك الانطباعات، كان ثمة ارتباط باطني وثيق. وخلاصة القول، لقد كانت تلك اللقاءات والزيارات مثمرةً ومباركةً جدًا، ومثّلتْ لسماحة الوالد - وسط تلك الأعباء والضغوط العملية - لحظاتٍ ملكوتيةً حقًا؛ إذ ربما يمتد بهم المجلس قرابة الساعتين، يفيض بجميل الأحاديث وشائق الأخبار، ويُطرح فيها من المطالب والمباحث المفيدة الشيء الكثير. فهؤلاء الخواص من أهل المعنى، رغم تباين مشاربهم ومسالكهم، ولكنهم أجمعوا على إيلاء اهتمام وعناية خاصة بسماحة الوالد.
وعلى أي حال، أتصوّر أن سماحة الوالد ممن يلتزمون «التستّر» الشديد، فحقائق أحواله لا تكاد تظهر للآخرين. إنه من أهل التهجد الطويل، ولبرنامجه في السحر وقتٌ طويلٌ نسبيًا. ومن جهة أخرى، فهو يتحلى بصفات شخصية رفيعة؛ فقد ذكر لي المرحوم الشيخ خوشوقت مرتين: «إن سماحة الوالد متواضع جدًا»، وقد استوقفني ذلك لأن الشيخ خوشوقت كان مقلًا جدًا في مدح الأشخاص أو وصفهم، ومع ذلك فقد بادرني بذكر هذه النكتة مرتين. ونحن نلمس ذلك واقعًا، ولا سيما في تعامله مع الأفراد، إذ يضع اعتباراته كافة جانبًا ويُقبل عليهم بتواضعٍ. ومثل هذه السجايا لا تنفصل عن الحقائق الباطنية، أما بلوغها حد النصاب، فمما لا يمكنني الجزم به.
يُنقل عن أبناء المرحوم السيد جمال الكلبايكاني (قدس سره) أنهم لم يكونوا يدركون حقيقة مقام والدهم؛ فقد روى من كان على صلة به أنه حين كان يدور بينهم حديث من نوع خاص، فإذا ما دخل أحد أبنائه، عدل فورًا عن الحديث وشرع في مناقشة فرع فقهي عن الطهارة والنجاسة وما شابه، حائلًا دون إدراكهم كنه ما كان يُطرح. طبعًا لا أقصد هنا التشبيه، بل هو من باب «التنظير» بأن الأمور قد تحدث على هذا النحو.
2026/04/11
