أسطورة «التهديد الإيراني»؛ كيف قلبت روايةٌ أَمنيّة واقع الخليج الفارسي رأساً على عقب؟
من دعم صدام إلى أزمة قطر؛ إيران صانعة الأمن في مواجهة السياسات المؤججة للتوتر
ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالة تسلط الضوء على زيف تصوير إيران كتهديد في الخليج الفارسي، مبيّنةً أنّ التجارب من حرب الكويت إلى أزمة قطر كشفت قصور هذه الرواية، مقابل الدور الإيراني الذي اتجه في محطات عديدة نحو خفض التصعيد، في ظل سياسات خارجية أسهمت في تعميق التوتر وعدم الاستقرار.
مقدّمة
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ومنذ اللحظات الأولى لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج الفارسي في عام 1981، ساد إطار إدراكي محدد العقلية الأمنية لعدد من الحكومات العربية: إذ عُرِّفت إيران بوصفها «تهديداً»، وفي المقابل، حظي نظام البعث العراقي بقيادة صدام حسين بالدعم كـ«ثقل مُوازِن» في مواجهة هذا التهدید. لم يكن هذا التصور مبنياً على حقائق ميدانية، بقدر ما كان نتاجاً لأجواء الحرب الباردة، والقلق من الثورة الإسلامية في إيران، وتأثير الروايات الأمنية الغربية.
لكن هذا الخيار سرعان ما كشف عن خطئه الاستراتيجي؛ فالهجوم العراقي على الكويت عام 1990 لم يستهدف عضواً في مجلس التعاون فحسب، بل أثبت أن اللاعب الذي عُرّف كـ«درع أمني» يمكن أن يتحول هو نفسه إلى تهديد للمنطقة بأسرها. وقد زاد الهجوم على السعودية واحتلال القوات العراقية مدينة الخفجي السعودية أعقاب احتلال الكويت، من جلاء هذه الحقيقة: وهي أن التهديد الحقيقي ليس بالضرورة هو ذاته الذي يُعرّف ضمن الأطر السياسية والدعائية.
ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه التجربة إلى مراجعة جذرية في النهج الأمني لدول المنطقة. على العكس من ذلك، إن سياسة «تصوير إيران بوصفها تهديداً» لم تستمر فحسب، بل ترسخت وتعمقت في العقود التالية، ولا سيما بعد الحضور العسكري الواسع للولايات المتحدة الأمريكيّة في الخليج. واكتمل هذا المسار تدريجياً بدخول لاعب آخر: "إسرائيل"؛ إذ تشكل الحضور غير المباشر، ثم المتصاعد، لهذا الكيان في المعادلات الأمنية للخليج في إطار هذه الرواية ذاتها.
كانت نتيجة هذا المسار تشكّل نوع من «الانكفاء الأمني» أو «انقلاب المفاهيم الأمنية»؛ وهي حالة عُرِّفت فيها التهديدات والفرص على نحو معكوس. فبينما تحركت إيران في كثير من المنعطفات الإقليمية ضمن مسار خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار، قُدّمت بوصفها تهديداً، وفي المقابل، قُبلت السياسات التدخلية الخارجية بوصفها أدوات لتحقيق الأمن.
حرب الكويت؛ انهيار وهم أمني
يمكن عدّ الهجوم العراقي على الكويت نقطة تحول في التاريخ الأمني للخليج. فهذا الحدث لم يتحدَّ النظام الإقليمي فحسب، بل أدى أيضاً إلى زعزعة الأسس الفكرية لسياسة «التوازن في مواجهة إيران». إن النظام الذي عزّزته بعض الدول العربية والقوى الغربية لسنوات بالدعم السياسي والمالي وحتى العسكري، تحول الآن إلى تهديد مباشر ضد هؤلاء الداعمين أنفسهم.
في غضون ذلك، كان سلوك إيران لافتاً للانتباه؛ فخلافاً لتوقعات بعض المحللين الغربيين الذين تنبأوا بأن طهران ستستغل هذه الفرصة لإضعاف العراق بصورة أكبر أو لتوسيع نفوذها، انتهجت إيران مقاربة مختلفة. أدانت جمهوريّة إيران الإسلاميّة بوضوح العدوان العراقي، وأكدت ضرورة احترام السيادة الإقليمية للدول.
من ناحية أخرى، امتنعت إيران عن الانضمام إلى التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة. وهذا القرار، وإن أمكن تفسيره للوهلة الأولى على أنه امتناع عن المشاركة في عمل جماعي، ولكنه كان يعبر في الواقع عن مسعى إلى منع اتساع رقعة الأزمة والحيلولة دون تحولها إلى ذريعة لتواجد دائم للقوات الأجنبية في المنطقة.
وعملياً، استغلت الولايات المتحدة هذه الأزمة لتثبيت وجودها العسكري في الخليج الفارسي - هو وجود مستمر حتى يومنا هذا - ومأسسته، في حين حاولت إيران إبقاء نطاق الأزمة محدوداً ومنع تحولها إلى صراع شامل. وكان هذا التباين في النهج أحد أولى مؤشرات الفجوة بين «التصوير الأمني» و«الواقع السلوكي» لإيران في المنطقة.
تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ من التطرّف إلى انهيار الدول
كان عقد التسعينيات من القرن الماضي عقد توسع التيارات السلفية المتطرفة، التي تحولت تدريجياً من ظاهرة أيديولوجية إلى تهديد أمني حقيقي لحكومات المنطقة. هذه التيارات، التي نمت في سياق الحرب الأفغانية وبدعم مالي وفكري من بعض الأطراف الإقليمية، لم تتحول في مسارها اللاحق إلى تحدٍ للمنافسين الإقليميين فحسب، بل أصبحت تهديداً لتلك الحكومات الداعمة لها أيضاً.
كان أحد أهم مصاديق هذا المسار تشكيل تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن؛ وهو التنظيم الذي اتخذ في التسعينيات تدريجياً منحى صدامياً مع الحكومات العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية. وأصبح وجود القوات العسكرية الأمريكية على الأراضي السعودية بعد حرب الخليج الفارسي إحدى نقاط التوتر الرئيسية بين هذه الجماعات والحكومة السعودية.
في هذا الإطار، ومنذ منتصف التسعينيات، بدأت تظهر بوادر التهديد المباشر لهذه التيارات ضد السعودية. وقد أثبت تفجير الخبر عام 1996 ، الذي استهدف مجمعاً عسكرياً لإقامة القوات الأمريكية في السعودية، وكذلك تصاعد أنشطة الشبكات الجهادية المعارضة للحكومة السعودية، أن التطرف بدأ يعود إلى داخل حدود الدول الداعمة له. وقد وصل هذا المسار إلى ذروته في السنوات التالية، ولا سيما في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع موجة من الهجمات الإرهابية داخل السعودية.
أظهرت هذه التطورات أن السياسات القائمة على الاستغلال الأداتي للتيارات الأيديولوجية يمكن أن تتحول بسرعة إلى تهديد أمني مباشر. ومع ذلك، وعلى مستوى صناعة الرواية الأمنية الكبرى في المنطقة، بقیت هذه التهديدات مهمّشة، واستمرّ التركيز بصورة أساسية على «التهديد الإيراني».
دخل هذا المسار مرحلة جديدة مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. إذ وفر انهيار بنية الدولة المركزية في العراق وخلق فراغ في السلطة، ظروفاً سمحت لمجموعات مثل «داعش» بالنمو والتحول إلى تهديد إقليمي شامل.
في ظل هذه الظروف، وقفت إيران عملياً في النقطة المقابلة لهذا المسار؛ فكان دعم الحكومات المركزية، والمساعدة في إعادة بناء الهياكل الأمنية، ومواجهة تمدد الإرهاب، جزءاً من سياسة طهران الإقليمية، وهو نهج تعارض مرة أخرى مع التصوير الشائع لإيران بوصفها تهديداً.
أزمة قطر؛ اختبار حقيقي للنموذج الأمني في المنطقة
تُعد أزمة عام 2017 ضد قطر أحد أهم الاختبارات العملية لقياس مدى فاعلية النموذج الأمني السائد في الخليج. ففي حزيران/ يونيو 2017، قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع قطر على نحو مفاجئ، وفرضت عليها حصاراً شاملاً عبر إغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية. وقد اقترنت هذه الخطوة بتقديم قائمة مطالب مؤلفة من 13 بنداً، شملت قضايا مثل خفض مستوى العلاقات مع إيران، وإغلاق قناة الجزيرة، وتغيير توجهات السياسة الخارجية القطرية.
كان من الممكن أن يؤدي حصار قطر، ولا سيما مع الالتفات إلى احتياج هذا البلد إلى استيراد المواد الغذائية عبر الحدود البرية مع السعودية، إلى أزمة إنسانية واقتصادية خطيرة على المدى القصير. وفي ظل هذه الظروف، كانت إيران من أوائل الدول التي أبدت ردّ فعل حيال هذا الوضع.
أتاح فتح الأجواء الإيرانية أمام الرحلات الجوية القطرية استمرارية الخطوط الجوية لهذا البلد؛ وهو أمر كان حيوياً من الناحية الاقتصاديّة وفي جانب العلاقات. بالإضافة إلى ذلك، أسهم إرسال شحنات المواد الغذائية من الموانئ الجنوبية لإيران إلى قطر في استقرار السوق الداخلية لهذا البلد في الأيام الأولى للأزمة.
والنقطة الأكثر أهمية هي نهج إيران السياسي؛ إذ أكدت طهران منذ البداية ضرورة تسوية الخلافات عبر الحوار وتجنبت أي إجراء تصعيدي. جاء ذلك في وقت كانت تسعى فيه بعض الأطراف الإقليمية إلى تغيير ميزان القوى في مجلس التعاون وممارسة أقصى الضغوط على قطر.
وفي نهاية المطاف، لم يقتصر الأمر في أزمة قطر على انعدام تحقّق الأهداف المعلنة لدول الحصار فحسب، بل عمّقت هذه الأزمة الصدوع داخل مجلس التعاون. وفي غضون ذلك، برز دور إيران أكثر من ذي قبل بوصفها لاعباً «خافضاً للضغوط» و«لاجماً للأزمات».
السعوديّة؛ مساعي إيران إلى خفض التّصعيد، وامتناع الرّياض
دخلت العلاقات بين إيران والمملكة العربية السعودية بعد قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2016 واحدةً من أكثر مُددها توتراً؛ وهي المدة التي بلغت فيها التنافسات الإقليمية في اليمن وسوريا والعراق ذروتها، وتعمّقت فيها الفجوة الأمنية بين البلدين.
وفي هذا الإطار، انتهجت إيران -ولا سيما في عهد الحكومة الثالثة عشرة وفي زمن الشهيد السيد إبراهيم رئيسي- «سياسة حُسن الجوار» بهدف خفض التوتر مع الرياض. ارتكز هذا النهج على محاور عدة محددة: تأكيد الحوار المباشر، واقتراح آليات أمنية إقليمية، والسعي إلى خفض مستوى التصعيد في ملفات مثل اليمن وأمن الخليج الفارسي.
منذ عام 2021، انطلقت المفاوضات الأمنية بين البلدين بوساطة عراقية في بغداد. ونوقشت في هذه المحادثات قضايا مثل أمن الحدود البحرية، وإدارة الأزمة اليمنية، والترتيبات الأمنية الإقليمية، كما طرحت إيران مجموعة من المقترحات، بما في ذلك اتفاقيات عدم الاعتداء والتعاون الإقليمي.
ومع ذلك، واجه هذا المسار قيوداً حقيقيّة؛ إذ إن التبعية الأمنية السعودية للولايات المتحدة واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، إلى جانب الاقتراب التدريجي للرياض من بعض الترتيبات الأمنية المرتبطة بـ"إسرائيل"، أدى إلى بقاء خفض التصعيد في مستوى الحوار وانعدام تحوله إلى اتفاق مستدام.
ونتيجة لذلك، أظهرت تجربة العلاقات بين البلدين أن المسألة الأساسية ليست مجرد غياب قنوات التواصل، بل تكمن في الخلاف الجذري بشأن تعريف «هيكلية أمن المنطقة»؛ إذ تؤكد إيران الأمن الداخلي والإقليمي، بينما لا تزال السعودية تعتمد على الضمانات الخارجية.
أمريكا، "إسرائيل" ومشروع "إسرائيل الكبرى"
لا يمكن التغاضي في تحليل جذور هذا الانقلاب الأمني، عن دور الولايات المتحدة و"إسرائيل". فقد عرّفت سياسة «الاحتواء المزدوج» الأمريكية في التسعينيات إيران بوصفها أحد محاور التهديد، ومهدت الأرضية للتواجد العسكري الواسع لهذا البلد في المنطقة.
وإلى جانب هذه السياسة، تُطرح الفكرة المعروفة بـ"إسرائيل الكبرى" بوصفها أحد الأطر التحليلية في فهم السلوك الإقليمي لـ"إسرائيل". وتؤكد هذه الفكرة توسيع النفوذ الجيوسياسي لـ"إسرائيل" في البيئة المجاورة وإضعاف اللاعبين الإقليميين المستقلين.
من جهة أخرى، إن السجل الأمني للولايات المتحدة تجاه حلفائها يكشف أيضاً عن نوع من غياب الكفاءة على المستوى الهيكلي؛ فالهجوم على منشآت آرامكو عام 2019 وعجز أمريكا عن منعه، وكذلك الانسحاب المتسارع من أفغانستان عام 2021 الذي أدى إلى انهيار الحكومة الحليفة لواشنطن، هي نماذج على هذا الوضع.
حرب رمضان؛ نهاية سرديّة؟
يمكن عدّ حرب رمضان النقطة التي وُضعت عندها كثير من الفرضيات الأمنية الشائعة في المنطقة موضع تساؤل من جديد. لقد أثبتت هذه الحرب أن المقاربات القائمة على المواجهة وصناعة الأعداء، لا تؤدي إلى أمن مستدام، وليس ذلك فحسب، بل تتحول هي نفسها إلى عامل لإنتاج انعدام الأمن.
وفي غضون ذلك، تكتسب تصريحات آية الله السيد مجتبى الخامنئي أهمية خاصة؛ إذ قال في رسالته الموجهة إلى دول المنطقة: «أقول لجيران إيران الجنوبيين: إنّكم تشاهدون الآن معجزةً. فأبصروا على نحوٍ صحيح، وافهموا على نحوٍ صحيح، وقفوا في المكان الصحيح، وأسيئوا الظنّ بوعود الشياطين الكاذبة. لا نزال ننتظر منكم أيّها الجيران موقفًا مناسبًا لكي نُثبت لكم أخوّتنا وحسن نيّتنا تجاهكم. وهذا لا يتحقّق إلا بإعراضكم عن المستكبرين الذين لا يفوّتون أيّ فرصةٍ لإذلالكم واستغلالكم».
سوف يمهّد تغيير نظرة هذه الدول إلى المعادلات الأمنية في المنطقة الأرضية لتقليص الوجود والنفوذ الأمريكيين في المنطقة، وهذا الأمر بحد ذاته سيزيل كثيراً من المشكلات وسوء التفاهم القائم بين إيران ومجلس دول التعاون الخليجي.
Freedman, Lawrence and Efraim Karsh. The Gulf Conflict 1990–1991. Princeton University Press, 1993.
Wright, Robin. The Looming Tower: Al-Qaeda and the Road to 9/11. Knopf, 2006.
Hegghammer, Thomas. Jihad in Saudi Arabia: Violence and Pan-Islamism since 1979. Cambridge University Press, 2010.
Dodge, Toby. Iraq: From War to a New Authoritarianism. Routledge, 2012.
Ulrichsen, Kristian Coates. “The Qatar Crisis.” Carnegie Endowment, 2017.
Roberts, David B. “Qatar and the Gulf Crisis.” Middle East Policy, 2017.
Litwak, Robert S. “Iraq and Iran: The Dual Containment Strategy.” Washington, D.C.: United States Institute of Peace Press, 1997.
Knights, Michael. “The Aramco Attacks.” Washington Institute, 2019.
SIGAR. Lessons Learned Report. 2021.
2026/04/22
