سفير إيران في العراق السيد محمد كاظم آل صادق في حوار مع KHAMENEI.IR: نظرة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي إلى العراق كانت نظرةً عظيمة ونابعة من عشق ومحبة فوق الوصف
ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي النص الكامل للحوار الذي أجراه مع سفير جمهورية إيران الإسلامية في جمهورية العراق السيد محمد كاظم آل صادق، والذي جرى فيه التطرق إلى تعلّق الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) الخاص بالعراق وشعبه، وتوصياته المتكررة للمسؤولين العراقيين بشأن استقلال البلاد وحرية شعبه، وذكرياته الأدبية والإنسانية معه، إضافة إلى تفاصيل المراسم غير المسبوقة التي شهدتها مختلف المحافظات العراقية عقب استشهاده، وقصص التبرعات والعشائر التي طالبت بتشييع جثمانه الطاهر في العراق، وصولًا إلى تقييمه لتداعيات هذا الحدث التاريخي على مستقبل العلاقة بين الشعبين الإيراني والعراقي.
بسم الله الرحمن الرحيم.
نُرحب بكم جناب السفير الدكتور آل صادق في منصة KHAMENEI.IR، ونشكركم جزيل الشكر على الوقت الذي خصصتموه لنا، ولا سيما في هذه الأيام التي شهدت تزاحمًا شديدًا في أعمالكم عقب التشييع العظيم والتاريخي لقائد الثورة الإسلاميّة الشهيد في العراق. شكرًا لكم.
كما تعلمون، كان للإمام الشهيد - سواء في كلماته أو في سيرته وعمل حياته - تعلقٌ خاص بالثقافة العربية وبدولة العراق. وفي الذكريات المأثورة عنه، شفهيةً كانت أم مكتوبة، إشارات كثيرة إلى مرحلة وجوده في العراق قبل انتصار الثورة الإسلامية، حيث كان يتحدث دائمًا عن العراق بمحبة واهتمام استثنائيين.
بعد انتصار الثورة وهجوم نظام صدام على الجمهورية الإسلامية، ظلت نظرته تجاه الشعب العراقي ثابته لم تتغير، فكان يتحدث عنهم من موقع الأخوة والصداقة. وفي الواقع، فإن خطبه باللغة العربية متوفرة ومشهودة، وقد وجّه فيها خطابات أخوية للغاية إلى جميع الأطياف والجماعات والمكونات الدينية والمذهبية في العراق.
سؤالنا هنا تحديدًا: كيف لمستم إعادة تعريف هذه النظرة للإمام الشهيد نحو العراق وتطبيقها عمليًا خلال فترة عملكم في السفارة هناك؟ وما هي التوصيات التي خصّكم بها في هذا الشأن؟
بسم الله الرحمن الرحيم. أتقدم بأحرّ التعازي لكم وللمشاهدين الكرام بأيام العزاء الحسيني في شهر محرم، كما أعزيكم بشهادة قائد الأمة الإمام الخامنئي. لقد شكلت شهادته منعطفًا تاريخيًا وتحولًا كبيرًا على مستوى العالم؛ ففي العراق نفسه، من شماله في الموصل إلى أقصى جنوبه، أقام الشعب مجالس العزاء، وتجمهروا في الميادين، بل وتعطلت في سبيل ذلك كثير من مراسمهم وعاداتهم الجارية.
لقد كان للإمام الشهيد اهتمامٌ خاص بالعراق والعراقيين، نابعٌ من عمق رؤيته للشعوب ومعرفته الدقيقة وثيقة الصلة بالثقافات. وكتاباته وخطبه الشاهدة على ذلك متوفرة، وكان يتطلع دائمًا - لكون العراق بلاد أهل البيت ومقر الحوزة العلمية ومركز التشيع - إلى رؤية عراقٍ قوي، مستقل، حر، ومتطور.
وكانت توصيته المستمرة للمسؤولين العراقيين تتلخص في ضرورة الحفاظ على استقلال العراق، ورعاية حرية شعبه الشريف. كما كانت لنظرته إلى المرجعية الدينية والحوزات العلمية مكانةٌ خاصة؛ فقد كان يكنّ احترامًا فائقًا، وفوق الوصف لسماحة آیت الله العظمى السيستاني، ويوصي دائمًا بالعمل بأوامره.
أما إحاطته ونظرته إلى الشعر والثقافة والأدب، ودقة تذوقه للشعر وفنونه، فقد كانت محل إعجاب وذهول الجميع، وهو ما كنا نلمسه بوضوح في لقاءاته بالشعراء وأهل الأدب. بل إنه حتى بالنسبة للشعر الشعبي، كان يتأمله بعمق ويدركه بدقة متناهية.
ينقل مرافقو الشاعر العراقي الكبير محمدمهدي الجواهري عن لقائه بالإمام الشهيد، أن سماحته أثنى على «القصيدة العينية» للجواهري، وكان يحفظها عن ظهر قلب بكاملها! بل وأخرج ديوان الجواهري من مكتبته الخاصة وقال له: «لقد كتبتُ حواشي وملاحظات على أشعارك». وعندما رأى الجواهري هذا المشهد، قال لإمامنا الشهيد: «أستبعد أن يكون هناك قائدٌ عربي يحفظ بيتين من شعري، بينما تحفظ أنت قصيدة كاملة وقرأت ديواني بالكامل!»، وهمّ حينها بأن يقبل يده. إن هذا ليبرهن على عمق المعرفة الأدبية والثقافية التي كان يحملها تجاه الجواهري وتجاه ثقافة الشعب العراقي.
وفي لقاءاته بمواكب الأربعين، تجلت مشاهد عظيمة؛ وكانت لكلماته السامية والمفعمة بالمحبة معهم آثارٌ وبركاتٌ ما زالت قائمة حتى اليوم. وكلما زرنا المواكب في موسم الأربعين، نجد تلك الذكريات حاضرة حية في أذهانهم، وكانوا يتمنون أن تتكرر تلك اللقاءات في حياة الإمام الخامنئي، قائد الأمة الشهيد.
والآن، أتوجه بطلب ورجاء ملحّ إلى قائدنا العزيز ونور أعيننا، سماحة آية الله السيد مجتبى خامنئي، بأن يتاح لنا - إن شاء الله وفي الظرف المناسب - تكرار هذا المشهد مع عشائر العراق، ليتشرفوا باللقاء والحضور بين يديه، وهم أهالي لهذا الاستحقاق؛ فقد رأينا غيرتهم وشغفهم وحضورهم الفاعل والحاشد إبان مراسم التشييع. وإنها لفرصة جليلة أن يتحقق هذا الأمر ويلتقي شيوخ عشائر العراق بسماحته في الوقت المناسب.
جميلٌ جدًا. جناب السفير، لقد تحدثتم عن بعض توصيات الإمام الشهيد، وعن بعض «الكلمات المفتاحية» التي تكررت كثيرًا في كلامه، سواء في لقاءاته مع المسؤولين العراقيين أم في لقاءاته العامة؛ من قبيل: «العراق المستقل»، و «العراق المتطور»، فضلًا عن العناية الخاصة التي كان يوليها للشباب العراقي، حتى إنه كتب إليهم رسالةً بخط يده باللغة العربية، عبّر لهم فيها عن محبته قائلًا: «إنّني أُحبّكم»، وتمنّى لهم مستقبلًا مشرقًا؛ وذلك على الضد تمامًا مما نراه في وسائل الإعلام المعادية للجمهورية الإسلامية ولجبهة المقاومة، والتي تسعى دائمًا إلى ترويج عكس ذلك.
السؤال الذي أودّ طرحه على سماحتكم هنا: ما هي أبرز التوصيات وأكثرها تكرارًا التي كان يوجهها إليكم في المجال السياسي بوصفكم سفيرًا للجمهورية الإسلامية، خلال جلساتكم ولقاءاتكم بالإمام الشهيد؟
نظرة سماحته العامة إلى العراق كانت نظرةً عظيمة وشاملة. كان ينظر إلى العراق بعشقٍ ومحبةٍ فوق الوصف، ومن جملاته الشهيرة في لقائه بجمهرة من العلماء العراقيين، قوله: «مَثَلُنا ومَثَلُكم: لحمُنا لحمُكم، ودمُنا دمُكم». علمًا بأن هذه المقولة تعود أصلًا لإمامنا الشهيد، وقد أجرى اللهُ هذه العبارة أيضًا على لسان الشهيد رئيسي، وكان لها أثرٌ عميقٌ وملموس في العراق.
إن العراق بلدٌ شاب؛ إذ إنّ أكثر من 50% من سكانه هم دون سن الخامسة والعشرين، و70% منهم دون سن الخامسة والثلاثين. وطبقًا للإحصاءات الرسمية، فإن 60% من المجتمع العراقي - من الرجال والنساء - هم من القوة العاملة؛ وهذه طاقةٌ بشرية وهائلة. وكان الإمام الشهيد يحرص دائمًا على أن يتبوأ الشباب مكانتهم المستحقة في المجتمع العراقي، وأن ينهضوا بدورهم ويفكروا بمستقبل بلادهم. وقد أدرك العراقيون هذه العاطفة السامية، ولهذا السبب أحبوا الإمام عشقًا وشغفًا.
إن المشاهد التي تجلّت خلال مراسم التشييع كانت مشاهد مذهلة؛ فقد رأيتُ فتى مراهقًا يركض خلف الجثمان الطاهر لسماحته، يخلع قميصه ويلقيه بشوقٍ ليتبرّك بالجثمان، ثم يعود إليه القميص فيتلقاه بفرحةٍ وابتهاجٍ لا يُوصفان. ورأيتُ شبابًا احتضنوا صور الإمام وناموا في الحدائق العامة وعلى أفرعة الشوارع منذ الليلة السابقة، ينتظرون لحظة مرور الجثمان لتقرّ أعينهم برؤية التابوت الطاهر. لقد كانت تلك المشاهد تجسيدًا حيًا لأعلى درجات العشق والمحبة التي يجيش بها الشارع العراقي.
ومن هنا، كانت نظرته إلى العراق نظرةً استثنائية. فالعراق - للأسف - يعاني من أزمة في الطاقة الكهربائية بسبب المشاكل في بنيته التحتية. في العقود المبرمة بيننا بخصوص الكهرباء، كان يحدث أحيانًا أن ينخفض تصدير الكهرباء لظروف طارئة - سواء لأسباب مالية أو غيرها، ولا أريد الخوض في تفاصيلها - فكان سماحته يشدد دائمًا على ضرورة مراعاة أحوال المجتمع العراقي والاهتمام بمخاوفهم وشؤونهم. لقد كان يعدّ أمن العراق من أمننا، وفرحة العراقيين فرحته، وحزنهم حزنه. وقد بلغت هذه الرسائل مسامع العراقيين، وأدركوا عمق محبته وعاطفته الصادقة تجاههم.
وحين أسأل أحيانًا عن سر هذه المحبة العارمة، يأتيني الجواب: «مواقفه ودعمه الثابت». فنحن نذكر جميعًا كيف كان لفتوى آية الله السيستاني إبان حرب «داعش» أثرٌ مفصليٌّ عظيم في تحشيد الشعب العراقي للدفاع عن أرضه؛ لكن العراقيين لا ينسون كذلك أوامره المباشرة بتزويد العراق بالسلاح فورًا، ومن دون الاشتراط بعقودٍ أو مسبقات بيروقراطية... بل كان التوجيه أن يصل السلاح إلى أيديهم أولًا ليدفعوا عن أنفسهم الخطر، ثم تتلو ذلك المسائل الإدارية والعقود والحسابات. وبطبيعة الحال، لم يكن الأمر بغير حساب كما قد يظن البعض، لكنه لم يكن مشروطًا بشرطٍ تعجيزي كما فعل الأمريكيون أو بعض الدول العربية التي مُدت إليها يد الحاجة فتقاعست عن التزويد.
لقد فتحت الجمهورية الإسلامية مخازنها، وكان للشهيد سليماني ههنا الملحمةُ الكبرى؛ في تعبئة الشعب العراقي، والتدريب، والتنظيم، وإدارة ساحة المعركة. فكان أن تحقق هذا النصر بفضل فتوى المرجعية الدينية، وببسالة الحشد الشعبي، وبدعم الجمهورية الإسلامية، حتى طُويت صفحة «داعش» بتكاتف هذين الشعبين والدولتين.
نسأل الله أن تتواصل هذه العلاقات وتتطور دائمًا، وأن نضع نصَب أعيننا تعليمات وتوصيات إمامنا الشهيد، وأن نبذل أقصى الجهد في سبيل تعميق هذه الروابط وتوسيع آفاقها، إن شاء الله.
أشرتم في حديثكم إلى المراسم التي أُقيمت في مختلف أنحاء العراق عقب استشهاد الإمام الشهيد، وإلى اتساع نطاقها وطبيعتها. أودّ لو تحدّثتم أكثر عن تلك المراسم؛ هل شاركتم فيها؟ وهل وُجِّهت إليكم دعوات للحضور، أم شاركتم فيها بمبادرةٍ شخصية؟ وكذلك نودّ أن تحدثونا عن مراسم التشييع، وكيف نشأت فكرة تشييع الإمام الشهيد في العراق، وكيف تبلورت؟
كما ذكرتُ، فقد كنّا نرى في العراق، من الموصل إلى البصرة، ومن أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، مظاهر الحزن والأسى والتأثر في كل مكان.
فبعد استشهاد الإمام في شهر رمضان، جاءت مناسبات عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الغدير، وهي من الأعياد ذات المكانة الكبيرة لدى العراقيين.
وفي عيد الفطر، ظهر مشهدٌ لافت في منطقة بين الحرمين، أثناء صلاة العيد، عُرضَ على شاشات التلفزة؛ حيث جرت مقارنة بين صلاة عيد الفطر في العام الماضي وصلاة العيد هذا العام. وقد عبّر الناس، بعفوية تامة، وبدون أيّ توجيه، ولكن بتنظيمٍ لافت، عن حزنهم. فلو وضعت صورتين إلى جانب بعضهما، لرأيت إحداهما يغلب عليها اللون الأبيض تمامًا، والأخرى يغلب عليها السواد بالكامل. ففي عيد العام الماضي، كان الناس يرتدون الملابس البيضاء الجديدة والنظيفة، أما هذا العام، فقد ارتدى الجميع السواد.
وفي العائلات أيضًا، كان كل من نلتقيه يقول: «إن عائلتنا في حالة حداد»، وكانت مظاهر البكاء والنحيب والحزن باديةً في كل مكان.
وكنتَ ترى في الأزقة والأحياء لافتاتٍ كُتب عليها، على سبيل المثال: «مجلس عزاء نسائي بمناسبة استشهاد الإمام الخامنئي»، حيث كانت تُقام مجالس العزاء.
كما ألغت العشائر مراسم تبادل الزيارات الخاصة بالعيد.
أما إدارات العتبات المقدسة العلوية والحسينية والعباسية، والتي اعتادت في الأعياد السنوية وموالد الأئمة (عليهم السلام) تزيين الأضرحة بالورود، فقد امتنعت عن ذلك بعد استشهاد سماحته.
بل وعلّقت على نوافذ الاستقبال في العتبات إعلانًا جاء فيه: «لا نتقبل أيّ تهنئة بمناسبة العيد»، وأُعلنَ هذا العام إلغاء الزيارات والمعايدات الخاصة بالعيد.
وأعلنَ أحد كبار المسؤولين في السلطة القضائية العراقية أنه، طوال الأيام الأربعين التي أعقبت استشهاد سماحته، لم يُسجَّل عقد زواج واحد في المحاكم. ففي المحافظات ذات الغالبية الشيعية، يُسجَّل الزواج قانونًا في المحاكم. وهذا ليس بالأمر الهيّن؛ فمعناه أن الناس أوقفوا جميع تلك المراسم، وأرجؤوا عقود الزواج إلى موعدٍ آخر.
ومن بين تلك التبرّعات، جاء طفلٌ في الحادية عشرة من عمره وقدّم دراجته الهوائية، كما خلعت طفلةٌ في الرابعة أو الخامسة من عمرها قرطها وأهدته. وكنا في السفارة نجمع التبرعات، وفي خلال أقل من شهر - سواء ذُكر هذا الرقم أم لم يُذكر - جُمعت تبرعات تُقدَّر قيمتها بما يقارب خمسة ملايين دولار، إضافةً إلى أكثر من ثلاثة كيلوغرامات من الذهب تبرّع بها الناس.
وبما أنّ فتوى سماحة آية الله السيستاني كانت تدعو إلى مساعدة إيران ولبنان، فإنّ مجيء الناس إلى السفارة كان يعني أنّ تبرعاتهم مخصصة للجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، كنا نوصيهم بألّا ينسوا اللبنانيين، وكان الإخوة في القسم القنصلي يقولون للمتبرعين: «لو أمكن، خصصوا جزءًا من هذه المساعدات للبنان أيضًا، فالشعب اللبناني وأنصار حزب الله يعيشون ظروفًا قاسية من النزوح، ونحن في فصل الشتاء». فكانوا يجيبون: «للجمهورية الإسلامية حقها، وهذا التبرّع أيضًا للبنان». أي إنهم أقبلوا لمساعدة البلدين معًا، بروحٍ صادقة وشعورٍ نبيل، وقدّموا تبرعاتهم بكل محبة.
وأعود إلى قصة الدراجة الهوائية. فبعد أن تبرع بها ذلك الطفل، بادرت المستشارية الثقافية، من باب الوفاء، إلى إهدائه دراجةً جديدة وجيدة تعويضًا عنها. لكن المشهد الأجمل كان حين اتصل بي أحد أعضاء مجلس النواب، وقال: «تقديرًا لهمّة هذا الفتى وإيثاره، اشتريت له سيارةً وأرغب في تقديمها إليه، وأودّ حضوركم في هذه المناسبة». فأجبته: «لديّ ارتباطٌ مسبق؛ فقد دعتني إحدى العشائر في إحدى المحافظات إلى حضور مراسم هناك، فأعتذر؛ لن أتمكن من المشاركة».
ثم وقع أمرٌ أعجب من ذلك؛ إذ اتصل بي والد ذلك الطفل نفسه، وقال: «لقد تبرعتُ بدراجتي، فأهدوني سيارة، وأنا الآن أريد أن آتي بها إلى السفارة لأهديها للجمهورية الإسلامية».
أين يمكن للمرء أن يرى عمق هذه المحبة، وقوة هذا الارتباط بين الشعبين؟ إنّ محورهما ليس سوى الإمام الحسين وأهل البيت (عليهم السلام). ولذلك كان الشعار الذي رُفع في إحدى زيارات الأربعين دقيقًا كل الدقة: «حبُّ الحسين يجمعنا». فهذا الشعار يتجسد هنا على أرض الواقع، ونحن نشهد مثل هذه المواقف بأعيننا.
وعلى أي حال، فقد تلقيتُ دعوات من عشائر كثيرة في محافظات مختلفة، وأعلنت هذه العشائر، في تجمعاتٍ مسلحة، استعدادها للدفاع عن الجمهورية الإسلامية، مؤكدةً أنها جاءت لتقف إلى جانبها. وكانوا يقولون: «لقد جعلتنا الجمهورية الإسلامية، في هذه الحرب، مرفوعي الرأس، وأعزّتنا».
لقد كان هذا دفاعًا عن التشيع، وعن الأمة الإسلامية، وعن محور المقاومة؛ فالجمهورية الإسلامية هي التي تتولى الدفاع عن هذه القضايا. وكانوا يعلنون استعدادهم للذهاب إلى القتال، وكنا نقول لهم: «أيها الإخوة، إنّها حربٌ جوية، ولو كانت حربًا برية، لكنتم، بلا شك، في مقدمة الصفوف، وشاركتم في القتال قبلنا».
لقد شهدنا مواقف مؤثرة للغاية. ففي إحدى المحافظات التي زرتها، وهي محافظة واسط، كنت أتحدث في جمعٍ من شيوخ العشائر. وبعد انتهاء المراسم، قدّم إليّ أحد شيوخ المحافظة بندقيةً قديمة من طراز «برنو» مع حمالتها، وقال لي: «لقد أهداها جدُّ أبي إلى جدي، ثم ورثها أبي، ثم آلت إليّ، لكنني، حبًّا واحترامًا للجمهورية الإسلامية، وللإمام الشهيد، وتقديرًا لما قامت به الجمهورية الإسلامية، أهديها إليكم». وما زلت أحتفظ بها في مكتبي بكل فخر. إنّ مثل هذا المشهد يجسّد عمق العلاقة بين الشعبين.
وفي الناصرية أيضًا، وهي محافظة لها خصوصيتها، وُجّهت إليّ الدعوة مرتين. وكانت أول مراسم التشييع الرمزية العفوية قد انطلقت من الناصرية، ثم تلتها مراسم العزاء، ومجالس الفاتحة، وفعاليات التعبير عن التضامن، التي شهدناها في مختلف المناطق.
وفي مناسبة أخرى، زرت محافظة بابل، حيث ألقى شاعرٌ عراقي بارز قصيدةً هزّت مشاعر الحاضرين، بما حملته من مضامين سامية وتعابير رفيعة. وإذا أذنتم لي، أقرأ بيتًا منها بالعربية ثم أترجمه. فقد استهل قصيدته بقوله:
«قبل لا يندفن جيبوه علينا، نريد الخامنئي نوفيه ديننا»
أي: قبل أن تدفنوا الإمام الشهيد، ائتوا به إلينا، فنحن نريد أن نؤدي بعضًا من حقه علينا.
ثم مضى في قصيدته بتعابير مؤثرة، يقول فيها إننا سنلطم على صدورنا في عزائه حتى تتقطع أيدينا، وسنذرف في النجف، عند مرقد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، من الدموع ما يكفي لتغسيله بها. وقد شهدنا في العراق نماذج كثيرة من هذا القبيل، تحمل مضامين بالغة التأثير.
وفي السفارة، كانت الوفود الشعبية تتوافد إلينا باستمرار، مطالبةً بتشييع الجثمان الطاهر في العراق. كما كنا، خلال زياراتنا إلى المحافظات، نتسلم عرائض ورسائل وقّعها شيوخ العشائر ووجهوها إلينا.
بل إنّ عددًا من أعضاء مجلس النواب العراقي حضروا إلى مقر السفارة، وسلّمونا، نيابةً عن 107 نواب، رسالةً موجّهة إلى رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، يطالبون فيها بأن يُشيَّع الجثمان الطاهر في العراق. وقد وقّعوا الرسالة بقلمٍ أحمر، رمزًا إلى لون الدم، وإلى رابطة الدم التي تجمعهم [بنا]، وتعبيرًا عن استعدادهم لبذل دمائهم في هذا السبيل.
طبعًا، أجرينا اتصالات مع المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، ونقلنا إليهم هذه المطالب. ولم تكن هذه الرغبة محصورة في جهة واحدة؛ فقد وردت طلبات مماثلة من جهات مختلفة، منها مكتب الولي الفقيه في النجف، إلى جانب مبادرات أخرى من مؤسسات متعددة. وهكذا، نُقلت رغبة الشعب العراقي الشريف والأبي إلى الجمهورية الإسلامية، وهناك أُعلن عن الموافقة عليها.
كما ناقشنا هذا الأمر مع رئيس الوزراء، وأوضحنا له أن هذه المطالب لا تصدر عن جهة بعينها، بل عن العشائر، والعلماء، والشباب، ومختلف شرائح المجتمع العراقي، بل وحتى عن مختلف قومياته، وسألناه: كيف ينبغي أن نتعامل مع هذه الرغبة الشعبية الواسعة؟
وقد تحدثت مع رئيسي وزراء. في المرحلة الأولى، التقيت بالسيد محمد شياع السوداني، فقال: «بكل سرور، سأكون أنا وعائلتي، وحتى والدتي، في مقدمة المشاركين في مراسم التشييع». وقد خصّ والدته بالذكر ليستحضر ذلك المشهد المعروف لدى العراقيين، عندما اصطحبها على كرسي متحرك للمشاركة في الانتخابات. وهذا المشهد ما زال حاضرًا في أذهان العراقيين. وقد شاركت والدته بالفعل في مراسم التشييع الرسمية التي أُقيمت في مطار النجف.
كما تحدثت مع رئيس الوزراء الحالي، السيد علي الزيدي، فقال: «بكل فخر، نستضيف هذه المراسم. فالإمام الشهيد آية الله الخامنئي لا يخص إيران وحدها، بل هو لجميع الشيعة». وأعلن موافقته، وشكّل لجنةً عليا برئاسة مدير مكتبه، وعضوية عدد من المسؤولين.
وقد رأيتم بأنفسكم حجم الجهد الذي بُذل، سواء على صعيد الخدمات أو الأمن، حتى خرجت مراسم التشييع بهذا المستوى من العظمة والهيبة، وفي ظل أمنٍ كامل.
أما على صعيد الخدمات، فقد أُطلقتُ على هذه المناسبة اسم «الأربعين المبكر»؛ لما شهدته من انتشار المواكب، وخدمة الزائرين، واستقبال الناس في مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، وعلى امتداد طريق الأربعين.
وكنا قد طلبنا من المسؤولين أن تتوقف السيارة التي كانت تنقل الجثمان الطاهر في أكثر من محطة على الطريق بين النجف وكربلاء، حتى يتمكن الناس من إقامة مراسم العزاء، وأداء «اليَزْلة»، وترديد هتافاتهم وشعاراتهم الخاصة.
ولذلك، لم يتمكن موكب الجثمان من قطع المسافة التي كان من المقرر أن تستغرق ساعةً أو ساعةً ونصف الساعة بسهولة، بل امتدت المراسم حتى قُبيل أذان الفجر في النجف وكربلاء، وهو ما أدى إلى انتقال الجثمان الطاهر إلى مشهد المقدسة متأخرًا عن الموعد المقرر.
حضرة الدكتور، هل كنتم تتوقعون أن تشهد مراسم التشييع هذا الحضور المليوني الهائل والتاريخي؟
كنّا ندرك حجم محبة الناس وعاطفتهم. فقد كان سماحته يحب هذا الشعب، وكان يخاطبه بلغته. وهذا الأمر كان له أثرٌ بالغ في نفوسهم؛ إذ يشعرون بقربه منهم حين يحدّثهم بأدبياتهم ولسانهم.
وكنت أسألهم: لماذا تحبون الإمام هذا الحب العميق، وتكنّون له كل هذا الودّ الذي يعجز الوصف عنه؟
فكانوا يقولون إنّ ملامحه، وابتسامته، وكلماته، تحمل جاذبيةً خاصة تستقر في قلوبهم.
أما النخب، فتقول إنّ سماحته لم يكن يمرّ مرورًا عابرًا على الأحداث التاريخية أو الوقائع التي يشهدها العالم؛ فقد كان حاضرًا بقلبه وعقله مع فلسطين، ولبنان، واليمن، وكان دائمًا يدافع عن المحرومين، والمظلومين، والأحرار.
وقد رأينا ذلك بوضوح في فتواه الداعمة للعراق، وفي موقفه من الدفاع عن العراق خلال الحرب ضد تنظيم «داعش»، وفي إشادته وتشجيعه على مواجهة الاحتلال.
كل هذه المواقف راسخة في ذاكرة هذا الشعب، وهي التي صنعت هذه المشاهد.
وإذا أردت أن أكون صريحًا، فقد كنّا نتوقع حضورًا كبيرًا، وكنّا نقول إنّ الملايين سيشاركون، لكن ما رأيناه في الواقع تجاوز كل ما كنا نتصوره.
كيف تُقيّمون تداعيات هذا الحدث، لا سيما في العلاقة بين الشعبين الإيراني والعراقي، وما الصورة التي ستكون عليها هذه العلاقة مستقبلاً؟ بعد هذا الحدث التاريخي الذي وقع.
إننا نشهد في الأربعين هذه المشاهد التي تجسّد عمق الترابط بين الشعبين. ففي كل عام، يتنقّل بين إيران والعراق أحد عشر مليوناً وخمسمئة ألف زائر أو شخص، إن جاز التعبير، بين البلدين. وبطبيعة الحال، فإنّ النصيب الأكبر من هذا العدد يعود إلى الجمهورية الإسلامية. إذ يتوجّه من العراق إلى إيران سنوياً ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون، لأغراض متعددة؛ منها الزيارة، والسياحة، والعلاج، وكذلك الاقتصاد والتجارة. غير أنّ النصيب الأوفر، الذي يبلغ نحو أربعة ملايين، يتحقق في موسم الأربعين، وهذه الأعداد قد أوجدت علاقات اجتماعية وأرست تواصلاً حقيقياً بين الشعبين. وأعتقد أنّ هذا الحدث الذي وقع سيكون سبباً إضافياً لأن تترسّخ هذه العلاقات، ولأن تتخذ المودة بين الشعبين صورة أخرى.
لقد رأيتم حضور المواكب العراقية في الساحات، وكم كان تأثيرها بالغاً. وطبيعي أنّ الأعداء يبذلون جهداً كبيراً لإحداث الفرقة بين هذين الشعبين العظيمين والجليلين؛ ولكن على الرغم من كيد الأعداء، إن شاء الله ستُهيّئ هذه المودة، وهذه الحلقات، وهذه الروابط، البلدين لاستقبال الظهور المبارك لصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه، وتُصبح هذه الأرض أيضاً عاصمة لإمام الزمان (عج)، ويتخذ ذلك الترابط والتواصل العميق، القلبي والعقائدي والثقافي، بين الشعبين، صورة أقوى وأمتن.
سعادة السفير، ضمن السؤال الأخير، أودّ أن أُلقي نظرة على تجربتكم التي امتدت أربع سنوات في السفارة في العراق، بصفتكم سفيراً. فمن الطبيعي أنكم عقدتم جلسات ولقاءات عديدة مع شخصيات عراقية مختلفة، وكذلك داخل إيران عقدتم، بحكم موضوع السفارة، جلسات مع المسؤولين، ومن جملتهم قائد الثورة الإسلامية. وفي هذه الجلسات، أردنا أن نطّلع، من الجانب العراقي، على ما كانوا يقولونه عن الإمام الشهيد، وتحديداً عن نظرة الإمام الشهيد؛ فإن كانت هناك ذكرى خاصة من شخصيات عراقية قالت شيئاً بشأنه أو بشأن نظرته إلى العراق؛ وكذلك، أرجو منكم أن تذكروا لنا الجلسات التي عقدتموها معه، أو اللقاءات التي جمعتكم بالإمام الشهيد، وما كان منها ذكرى خاصة لا تُنسى.
نعم، هناك ذكريات. وبالتأكيد، إن سمح وقتي ووقتكم، سأذكرها ضمن لقائكم.
في زيارة رئيس الجمهورية العراقي آنذاك إلى طهران، كان له لقاء مع سماحة السيد القائد. وقد حضر الجلسة السيد قاسم الأعرجي، مستشار الأمن الوطني، وبعد انتهاء الجلسة طلب من سماحة السيد القائد، إن أمكن، أن يُهديه خاتماً أو كوفية. فقال سماحة السيد القائد بكل مودة: "سنُعطيك الاثنين معاً"؛ فخلع الخاتم من يده وأعطاه إياه، وكذلك الكوفية التي كانت على كتفه.
ثم إنّ أحد المسؤولين الآخرين، وكان مستشاراً أمنياً لرئيس الجمهورية، قال: "سماحة السيد، نريد نحن أيضاً خاتماً". ولم يكن في يد سماحته حينها خاتم آخر. فقال: "أحضروا خاتماً وسأُعطيكم إياه؛ سأُعطيكم خاتماً". وقد شهدنا نحن ذلك المشهد، وكان أقرب إلى التزاحم والتسابق على الأخذ! وقد قلتُ أنا أيضاً لسماحة السيد القائد: "أريد أنا أيضاً خاتماً". فقال: "سأُعطيكم".
وعند الخروج، أُحضرت حفنة من الخواتم، فاختار سماحته خاتماً، ودعا له، ثم أعطاه لذلك الضيف العراقي. وقد وُفّقتُ حينها للبقاء إلى أن تستمر المحادثة حول بعض المسائل، بحضور بعض المسؤولين في المكتب، ومرّت بضع دقائق. وعند الخروج، لم أجرؤ على أن أقول إنني أريد خاتماً. فقلت: "سماحة السيد، ادعُ لنا". فتنبّه سماحته وقال: "آه، أحضروا الخواتم". فأُحضرت مرة أخرى حفنة من الخواتم، وما زلتُ أذكر أنني أخذتُ ثلاثة خواتم وأعدتُها؛ أما الخاتم الرابع، الذي كان بلون عقيق أرجواني جميل وكنتُ شديد الإعجاب به، فأُعطي لي، فوضعته على عيني تكريماً له، وأنا أفخر بهذه الهدية القيّمة منه.
ومن الذكريات الجميلة أنّ سماحة السيد القائد، في آخر جولاته إلى المحافظات - وأظنّ أنه بعدها لم يعد له جولات في المحافظات - أجرى بجولتين متتاليتين، إحداهما إلى كردستان والأخرى إلى محافظة كرمانشاه، في آخر سنتين من جولاته.
ففي محافظة كردستان، قال الشهيد سليماني لي وللواء مسجدي: "اذهبا إلى الإقليم وتحدّثا مع مسؤولي الإقليم، السيد بارزاني والمرحوم السيد طالباني الذي كان حينها رئيساً للجمهورية، على أن يكونا متنبّهين حتمًا لمسألة، وألا تُطلق أي رصاصة من جهة الإقليم، من قِبل العناصر المعادية للثورة الموجودة هناك، باتجاه محافظة كردستان ومدينة سنندج وسائر الأماكن الأخرى. يجب ألا يقع هذا الأمر".
نعم، ذهبنا وكنّا في خدمة اللواء مسجدي. وقد نُقلت هذه الرسالة بالصورة المناسبة إلى مسؤولي الإقليم آنذاك. وقد قال الشهيد اللواء سليماني: "لا تعودوا ما دام سماحة السيد القائد في محافظة كردستان. وعندما يُقلع وتعود الطائرة إلى طهران، حينها تفضّلوا بالعودة". وقد وقع هذا الأمر فعلاً.
وبعد الجولة، التقينا باللواء إستوار، الذي كان آنذاك قائداً لمقرّ حمزة ومسؤولاً عن أمن جولة القائد. سألناه عن ذكريات الجولة وما شابه. فروى لنا مشهداً وقال: إنّ سماحة السيد القائد قال ذات يوم: "لنذهب للرياضة". وفي رحلته الجبلية الصباحية الباكرة، كان هناك أشخاص مختلفون؛ لكن كان هناك أيضاً فتاة وشاب في هذه الرحلة الجبلية. وكانت تلك الفتاة لا ترتدي الحجاب الإسلامي الكامل على المستوى الظاهري. فلمّا رأيا سماحة السيد القائد، شعرا بالحرج ووقفا في زاوية. فألقى إمامنا الشهيد عليهما السلام بذلك اللطف والمحبة الأبوية التي يتحلّى بها. وما إن ألقى عليهما السلام حتى خنقت العَبرة تلك الفتاة وبدأت تبكي.
ثم سألناها: "لماذا بكيتِ؟" فقالت: "انتابني شعورٌ غريب؛ انتابني شعورٌ أبوي، ولولا مسألة الحرمة الشرعيّة لقفزتُ واحتضنتُ سماحة السيد"، قالت ذلك بشيء من المحبّة والمودة الخاصة.
إننا نرى اليوم آثار ذلك في الساحات؛ تلك النظرة الأبوية والمفعمة بالمحبة التي كان يشمل بها فتياتنا، فتيات المجتمع. وحتى وإن كان لديهنّ بعض التقصير تجاه ما كان يوصي به، فإنهنّ اليوم يُعرِبن بكل محبّة عن ندمهنّ قائلات: "لقد أخطأنا، لم نكن نعرف سماحة القائد، وقد فقدناه".
وفي العام التالي، كانت جولة كرمانشاه، وقال الشهيد سليماني مرة أخرى للواء مسجدي ولي: "اذهبا إلى كرمانشاه وامكثا هناك طيلة فترة الرحلة". وكانت مناسبة هذه المهمة أنني كنتُ حينها أتشرّف بقيادة مقر رمضان، ومهمة مقر رمضان هي العراق. ولهذا السبب كان يجري اختياري لهذه الجولة. وكان اللواء مسجدي أيضاً مسؤول أركان القوة، وبهذه المناسبة كانت المهمّة توكل إلينا.
غير أنه قال: "لم يعد هناك داعٍ لأن تذهبا إلى الجانب الآخر من الحدود. تفقّدا جدار الحدود واعملا على معالجة الأمر من هذا الجانب. نسّقا الأمن مع مسؤولي المحافظة ليتحقق ذلك". وقد وقع هذا الأمر أيضاً.
وبعد انتهاء الرحلة، بعث سماحة السيد القائد برسالة ودعا جميع القائمين على الأمر إلى الغداء. وكان هناك صلاة وغداء. وكان لدينا مقر فرعي، وكان قائد ذلك المقر هو السيد نادري، رحمة الله عليه، الذي توفي في كورونا. فقلتُ له: "أنت المسؤول عن المنطقة حالياً. سنذهب للصلاة، وسنجلس في الصف الأول. تفضّل وانظر إن كان بمقدورك تحصيل كوفية سماحة القائد أم لا؟"
وذهبنا في وقت مبكر وجلسنا في الصف الأول. فرأينا الألوية والأمراء وأمثالهم قادمين. فتنحّينا باحترام من الصف الأول إلى الصف الثاني. ثم جاء آخرون فصرنا في الصف الثالث. وأصبح وصولنا إلى سماحة السيد القائد متعذّرًا. فقلتُ له: "يا سيد نادري، لم يعد بمقدورنا الحصول على الكوفية. هل يمكنك أن تُحضر لنا سجادة صلاة سماحة السيد؟ سجادة الصلاة تلك هي تلك المنديل الأبيض الذي عليه سجدة الصلاة". فقال: "نعم، أستطيع". فقلتُ: "حسناً، لنرَ ماذا يمكنك أن تفعل".
فلمّا انتهت الصلاة، أحاط بإمامنا الشهيد جمع غفير وحلقات متنوعة. فقلتُ: "لقد فقدنا تلك السجادة أيضاً؛ لم يعد بمقدورنا الحصول عليها الآن". وانتقلنا إلى الفقرة التالية، وكانت الغداء وسرد إمامنا الشهيد ذكرياته. وقد تحدّث سماحته ببعض الأمور. فرأيتُ السيد نادري قد جاء والفرحة على محيّاه وجلس بجانبي وقال: "أحضرتها؛ أحضرتُ سجادة الصلاة". فقلتُ: "أحسنت، بارك الله فيك".
وانتهت فقرة الغداء، فذهبنا إلى المقر الذي كان مسؤولاً عنه. وقد رقّ قلبي؛ فعلى أي حال، لقد بذل جهداً وأقدم على هذه الخطوة. فقلتُ: "لستُ إنساناً مجحفاً. أحضر مقصّاً؛ لنقسم هذه السجادة نصفين، نصف لك ونصف لي، ليكون لكلٍّ منّا تبرّك بها".
وبعد أن قصصتُها ونصّفتُها، تذكّرتُ أن أسأله: "كيف أحضرتَها؟" فسألتُه: "يا سيد نادري، بصراحة، كيف حصلتَ عليها؟ كيف أحضرتَها؟" فقال: "لاحظتُ أنّ الشخص الذي جمع سجادة الصلاة ذهب إلى إحدى الزوايا ووضعها هناك. فلمّا خلا المكان، ذهبتُ وأخذتُ تلك السجادة". فقلتُ: "هل سرقتَ هذه السجادة؟ لقد سبّبتَ لنا مشكلة؛ ماذا سيحدث الآن؟"
وكان الوفد قد غادرَ أيضًا. فقلنا لكل مسؤول شعرنا أنّ له إمكانية الوصول إلى المكتب - ممثل الولي الفقيه، واللواء سليماني نفسه، وآخرون - أن يحصلوا لنا على إذن من سماحته بشأن هذه المسألة. والآن حيث قسمناها إلى نصفين، لم يكن ممكناً إعادتها. أي أنّ الأمر لم يُحلّ، إلى أن طلب وزير الداخلية آنذاك، الذي كان في جولة لزيارة العراق، من المكتب أن يُشارك في الصلاة خلف القائد. فنسّق اللواء سليماني ذلك. وقد تشرّفتُ أنا أيضاً بحضور تلك الصلاة واللقاء بسماحته.
هناك، قلتُ ل
أحد الأعضاء الموقّرين في المكتب: "لديّ سؤال شرعي أريد أن أطرحه على سماحة السيد القائد. اسمح لي أن أطرحه؛ لا تطلب منّي أن لا أتحدّث". فقال: "الأسئلة الشرعية والاستفتاءات تُقدَّم هناك ليُجاب عليها". فقلتُ: "أنا لديّ ما أطرحه على سماحة السيد القائد نفسه؛ ولا بدّ أن أطرح السؤال مباشرة. سيطول الأمر، ولا أستطيع؛ لا بدّ أن يقع هذا الأمر".
وعلى أي حال، تفقّد سماحته أحوال الوفد. فلمّا جاء دوري، قبّلتُ يد سماحته وأمسكتُ بها. وبسرعة شديدة رويتُ له قصة سرقة سجادة الصلاة والحادثة التي وقعت، وقلتُ: "هذه السجادة الآن بحوزتنا. ولا يمكننا استخدامها". فنظر إليّ بنظرة مفعمة بالمودة من تحت نظارته، وقال: "ما دمتَ قد أخذتَها..." فقلتُ: "نعم، أخذتُها؛ لكنني أريد الإذن الشرعي لذلك". فقال: "لا بأس، استخدموها".
وهذا أيضاً من مفاخرنا أثناء تشرّفنا بلقاء سماحة السيد القائد، ومن التوفيقات التي حظينا بها. ونسأل الله أن يمنّ على قائدنا العزيز والجديد، آية الله السيد علي الخامنئي، بطول العمر المقرون بالعزّة، وأن نشهد عمرًا طويلاً توجيهاته وقيادته في سبيل إحقاق العزّة والرّفعة والسموّ للجمهورية الإسلامية، إن شاء الله.
2026/07/30

