رؤية الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي: نصرة المظلوم ومواجهة الظالم | قوّة لبنان تكمن في وحدة مكوّناته
ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي النص الكامل للحوار الذي أجراه مع عضو هيئة الرئاسة في حركة أمل اللبنانية، السيد خليل حمدان، والذي تناول فيه الحديث عن العلاقة الفكرية والروحية العميقة التي جمعت الإمام السيد موسى الصدر بالإمام الخميني، ودور الشهيد مصطفى شمران في تشكيل صلة الوصل بين الثورة الإسلامية وحركة أمل، إضافة إلى ذكرياته الشخصية مع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي (قدس الله نفسه الزكية) على مدى عقود، ورؤيته لموقع لبنان والمقاومة في فكره وسياساته، ولمستقبل المنطقة بعد استشهاده.
نستهلّ اللقاء بالترحيب بجنابكم يا أستاذ خليل حمدان، ونشكركم على الوقت الذي خصّصتموه لإجراء حوار مع موقع KHAMENEI.IR الإعلامي...
يشرّفني ذلك وأنا بخدمتكم.
نبدأ بالسؤال الأوّل؛ نرجو منكم شرح طبيعة العلاقة بين الإمام السيد موسى الصدر والثورة الإسلامية في إيران والإمام الخميني (قدس سره)، وما هو الدور الذي اضطلع به الشهيد شمران في تعزيز وتشكيل هذا التواصل بينهما؟
حديثٌ في عجالة عن علاقة الإمام السيد موسى الصدر بالثورة الإسلامية الإيرانية والإمام الخميني قدس الله سره، ابتداءً يستعصي على المتحدّث؛ والسبب أنّ هناك مساراً طويلاً لا يمكن تلخيصه في عجالة، لأنّ العلاقة وطيدة، وأيضاً حميمة، وهناك بحر من اللقاءات وعملية التواصل الكبيرة، حتى أنّ الإمام المغيّب القائد السيد موسى الصدر كان مسكوناً بحبّ الإمام الخميني، وكان يعلّق عليه الآمال الكبيرة لتغيير الواقع في الجمهورية الإسلامية في إيران، من أجل جمهورية واعدة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك في لبنان. يعني، بمعنى آخر، أنّ الإمام السيد موسى الصدر لم يكن منفصلاً عن هموم الثورة في إيران، والإمام الخميني قدس الله سره لم يكن يغيب عن الواقع في لبنان ومتابعة شؤونه بصورة دقيقة وتفصيلية.
وفي هذا الإطار هناك ملامح عدة يمكن أن نشير إليها. المسألة الأولى هي مسألة وصول الشهيد مصطفى شمران إلى لبنان. وهذه الشخصية المهمة المميزة لا يمكن أن تأتي إلى لبنان على سبيل المصادفة، أو على سبيل الباحث عن العمل؛ فهو كان في الولايات المتحدة الأمريكية يشغل ما يعد من أهم المناصب على الصعيد العلمي، حتى وصل إلى أن يكون له موقع في «ناسا»، وهو دكتور في فيزياء البلازما، وإلى آخره، مشهور ومعروف. وبالتالي ترك كل شيء من أجل الاستمرار في هذه الثورة.
الشهيد مصطفى شمران، في الحقيقة، يمكن أن يكون التعبير الأدق عن صلة الوصل، أو تجسيد عملية التواصل، بين الإمام الخميني قدس الله سره وبين الإمام السيد موسى الصدر، أعاده الله بخير. هو، بعد أن تدرّب في مصر عام 1964، بتواصل مع فتحي الديب، ممثل عبد الناصر في سويسرا في تلك المدة للعلاقات مع حركات التحرر العالمي، فاتفق الشهيد شمران ويزدي ومجموعة من الثوار الإيرانيين في خارج إيران على أن يعدوا نشاً جديداً ويدربوه بطريقة سرية. وكان الخيار على عبد الناصر أن يحتضن هذا الأمر، وكانت هناك مرحلة أكثر من سنة، ولكن شيئاً فشيئاً بدأ الشهيد شمران يسعى إلى توسيع عملية اللقاء وعملية إعداد الجيل الذي سيواجه، عسكرياً وفكرياً، نظام شاه إيران المقبور في تلك المدة.
وبالواقع، بعد ذلك، كان الإمام الصدر في زيارة إلى ألمانيا، والتقى السيد صادق الطباطبائي، وهو قريب منهم، وعدد من الإخوة الإيرانيين، وطلب منهم أن يكون عندنا مدير مهم جداً لمؤسسة جبل عامل المهنية، ويحمل فكر الإمام الخميني. فعلى سبيل التواصل، وصل إلى لبنان الشهيد مصطفى شمران عام 1970، وبالتالي حوّل هذه المؤسسة من مدرسة أكاديمية عادية إلى مصنع للرجال؛ يعني يحملون الفكر، أساتذة وطلاباً. وبالتالي كانت صلة الوصل خلية نحل كبيرة تستقبل الثوار الإيرانيين، القادة والمسؤولين.
ومن جملة الذين زاروا مؤسسة جبل عامل في تلك المدة الشهيد شمران، والسيد أحمد الخميني رحمه الله، وبالتالي حمل بندقية أمل، وذهب إلى المواقع الأمامية، ووقف على أنقاض دبابة إسرائيلية في تلك المدة على أصيبت على يد أبطال حركة أمل والمقاومة عموماً. طبعاً هي مرحلة مشهودة بعملية البناء واستنهاض الوضع في جبل عامل.
أيضاً كان هناك تواصل شبه شهري بين الإمام الصدر، أعاده الله بخير، والإمام الخميني قدس الله سره. وبالتالي هناك الكثير من الشخصيات التي كانت تتواصل، مثل السيد محمد الغروي، وسماحة الشيخ حسن حريري، ومجموعة أخرى من الإخوة، بطريقة سرية بالغة الدقة. بالواقع كان الإمام الصدر متابعاً لأعمال الإمام الخميني ونشاطه، والإمام السيد القائد الخميني أيضاً كان متابعاً لنشاط الإمام السيد موسى الصدر. كان هناك قاسم مشترك أو قواسم مشتركة بينهما: القاسم الأول هو إزالة نظام شاه إيران، والقاسم الآخر هو عملية التعبئة والنظرة إلى عملية التغيير كيف تكون.
يعني الإمام الخميني معروف عنه أنه قال: لا شرقية ولا غربية. والإمام السيد موسى الصدر أيضاً كان يعمل في هذا الإطار؛ يريد أن يكون هناك عمل جاد غير مرتهن لا للشرق ولا للغرب. وهذا كان في التعبئة الفكرية والثقافية. وبالتالي اتخذ منهجاً واضحاً في هذا الإطار: أننا نعمل على تديين السياسة، وليس على تسييس الدين. بهذا المعنى، كان هناك خلفية فكرية للإمامين.
بالطبع، هناك أيضاً رابط مشترك بينهما. أُخفي الإمام السيد موسى الصدر في 31 آب 1978، وبعد شهر واحد جاء جلاوزة صدام حسين إلى الإمام الخميني وطلبوا منه مغادرة العراق، وذهبوا إلى الحدود العراقية ـ الكويتية، وبالتالي الكويت لم تسمح بدخول الإمام مباشرة، وكانت هناك حيرة عند الوافد. أنا قرأت مذكرات آية الله دعائي، يقول فيها: قال لي السيد الإمام الخميني على الحدود العراقية ـ الكويتية: لو كان الإمام السيد موسى الصدر موجوداً في لبنان، لذهبت إلى لبنان. يعني هذه مسألة أنا أعدها حسن العلاقة، وهذا الأمر لم يأتِ عفو الخاطر، أو أنه موقف عاطفي فقط، بل كان هناك أكثر بكثير من هذا الأمر.
يعني مثلاً الإمام السيد موسى الصدر كان عنده ورشة عمل لمتابعة قضية الثوار الإيرانيين في لبنان: هذا اعتقله الأمن العام، وهذا أُبعد، وهذا شاه إيران يطالب به، وهذا يريد أن يعبر إلى سوريا، وإلى آخره. كانت مجموعة من الإخوة في حركة أمل تتابع هذا الأمر للثوار الإيرانيين، ومن بينهم سماحة الشيخ محمد يعقوب، كان يتابع تفصيلياً، والمرحوم الحاج مصطفى الحاج كان كوميسيراً بالأمن العام، وكان يهتم بمتابعاتهم: هذا أوقفوه في الأمن العام، هذا يريد أن يجدد الفيزا، هذا يلاحقه شاه إيران، إلى آخره. حتى إنّ منصور قدر، في تلك المدة، ضاق ذرعاً بالإمام الصدر نتيجة تعاونه مع الإمام الخميني واحتضان الثوار الإيرانيين.
اللافت الأساسي أنه بعد أقل من شهر أُبعد الإمام الخميني، بعد إخفاء الإمام الصدر في ليبيا. أنا قرأت كتاباً لجاك شيراك «أي خطوة هي هدف»، فيقول: عندما وصل الإمام الخميني إلى الحدود العراقية ـ الكويتية، اتصل بي سفير صدام حسين في العراق، وأرسل إلي رسالة لرئيس الجمهورية هناك. فهنا أنا تعجبت: ما هذه الرسالة؟ وإلى آخره. هو يطلب منع الإمام الخميني من الذهاب إلى باريس، ويقول له في الرسالة: انصحوه أن يذهب إلى ليبيا. يعني كان الإمام الصدر قد أخفاه المجرم معمر القذافي في ليبيا، وهذا السجن للنظام الطاغوتي العالمي، المحدد على مستوى العالم، كان يريد أن يلحق الإمام الخميني بالإمام السيد موسى الصدر هناك، لكي تُقطع صلة الوصل مع الثورة الإسلامية الإيرانية. ولكن يقول جاك شيراك إن الرئيس في تلك المدة لم يُعر اهتماماً لهذه الرسالة، وسمح للإمام الخميني بأن يدخل إلى باريس. في تلك الحالة.
ما كان دور جاك شيراكفي تلك المدة؟
كان مستشاراً لرئيس الجمهورية، ولم يكن رئيساً وقتها.
بعد هذا، في الحقيقة، وجدنا أن النظام العربي ككل، النظام العربي الأمريكي، النظام الخليجي، الذي كان يخشى من سطوة شاه إيران على الخليج، وكانوا يسمونه «شرطي الخليج»، أراد أن يتخلص من الثورة الجديدة؛ لأن الثورة أصعب من العصا العسكرية لشاه إيران. بمعنى أن هذا التغيير نوعي وفكري، ويمكن أن يجتاح المنطقة بكاملها، ولا يستطيع أحد السيطرة عليه.
هنا بالواقع نحن نقول إن ما يجمع الإمام السيد موسى الصدر والإمام السيد الخميني في الحقيقة، هو وحدة الهدف، ووحدة المسار، ووحدة المصير. ولذلك عندما يتحدثون عن وحدة الساحات الآن، فالإمام الصدر كان قد سبق الجميع للتواصل مع حركات التحرر في العالم، ومع الثورة الإسلامية في إيران. هنا في الواقع أريد أن أشير إلى الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1980، وما فعله المجرم صدام حسين من هذا الاعتداء، وبتغطية مالية وعسكرية من دول الخليج عموماً، كان هو لاحتواء هذه الثورة والحد من مفاعيلها نحو الخارج. وبالتالي هم يريدون أيضاً اجتزاء أرض من إيران، ولكن الحمد لله رب العالمين، نحن نقول هذا ما أشار إليه الإمام الراحل السيد علي الخامنئي: إنه منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، في تقييم عملي، نحن لم نتنازل ولم نخسر أرضاً، وبالتالي حافظنا على هوية الثورة، وحافظنا على أرض الثورة، واستمررنا رغم الحصار الموجود.
فهذه العلاقة التي يمكن أن نقول باختصار إنها علاقة الجزء بالكل، والكل بالجزء، ليست علاقة ظرفية أو عابرة؛ كانت متجذرة حقيقة بين فكر الإمام الصدر وفكر الإمام الخميني.
الأمر الآخر عندما زرنا الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصار الثورة، كانت لا تزال هناك أصوات إطلاق نار وإلى آخره. نحن ذهبنا في 23 شباط 1979 في طائرة المجلس الشيعي وحركة أمل. كان الأمين العام السيد حسين الحسيني، وكان الأمين العام المساعد الرئيس نبيه بري، وكان لي شرف أن أكون في هذا الوفد بسبب أنني كنت دائماً مع الشهيد شمران سواء في الجبهة أو إذا ذهب إلى بيروت، كنت دائماً ملازماً له. وهذا ما أكسبني خبرة معينة، وأيضاً استطعت أن أحصل على منظومة أفكار جهادية، إذا أراد الإنسان أن يتعرف إليها أو يتعلمها يحتاج إلى وقت طويل من الزمن.
فلذلك أنا أقول إن الشهيد مصطفى شمران كان أستاذي بالقدوة؛ أي لم يطلب مني مرة أن أعمل شيئاً، ولكن هو يفعل وأنا يجب أن أتعلم منه. لأنه حتى في الجبهة، حتى في المدرسة، أنا كنت أمين سر الشهيد شمران في مؤسسة جبل عامل المهنية، وله فضل كبير على تكوين شخصيتي. كان عمري 18 سنة، وكنت عضو قيادة الجنوب بالكامل بفضل الشهيد مصطفى شمران، لأنه عرّفني أكثر إلى الإمام الصدر... ووثّقني عنده في تلك المدة.
ذهبنا إلى إيران والتقينا الإمام الخميني في مدرسة تكميلية، في طهران. وهناك كان الرئيس الحسيني، والرئيس بري، وسماحة الشيخ عبد الأمير قبلان، وسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشهيد مصطفى شمران وغيرهم. ولا أعرف لماذا كان آية الله طالقاني موجوداً، يعني ما عرفت السبب، ولم أفسّره؛ أو ممكن أنها زيارة أو كذا، لا أعرف. قال الإمام: أفضل هدية جئتم لنا بها هي مصطفى شمران. نحن أخذنا هذا الموضوع ببساطة، وليس بتفكير عميق.
بعد يومين طلبني الشهيد شمران في فندق استقلال، قال لي ـ وكان الحاج عادل عون ناظراً في المؤسسة، وصديقه، وهو الذي استقبله في المطار عندما وصل إلى بيروت. والحاج عادل عون كان يتدرب عند عبد الناصر، ولكن لا يعرف أن هذا مصطفى شمران. الإمام الصدر طلب منه: أنت تذهب وتستقبل شخصاً اسمه مصطفى شمران، هناك في المطار، وتحمل لوحة باسمه. فقال: ذهبت إلى هناك أنتظره في المطار، وإذا برجل يقفز من مكان إلى آخر خلف الحاجز ويقبلني، إلى آخره. قال: أنا مصطفى شمران. سأله: أنت أبو جمال؟ قال: أنا مصطفى شمران، وأخذ يبكي: الحمد لله، الآن تحققت أحلامي...
هو يأتي إلى جبل عامل. الشهيد مصطفى شمران كان مسكوناً بهاجس حب جبل عامل، وهذه مسألة غريبة جداً. يعني هذه الكلمة في وصيته حين قال: ليتني أكون تراب أحذية الفقراء. وهو قال في المؤسسة إن التواضع هو التراب، بهذا المعنى.
المهم طلبني والحاج عادل عون، فقال: أنا سأرسل شاحنة من هنا إلى مؤسسة جبل عامل من إيران لكي تأخذ كتبي وأغراضي وإلى آخره. قلنا له: ماذا تفعل أنت، دكتور شمران؟ قال: ألم تسمعوا الإمام الخميني عندما قال إن أفضل هدية هي مصطفى شمران؟ لقد طلب مني أن أبقى هنا. أنا في الحقيقة لم أتمالك نفسي.
هو جاء معكم من لبنان؟
نعم، ذهبت معه بالطائرة نفسها، وهو بقي. في الحقيقة، لم أتمالك نفسي، وكنت أنا والأخ عادل عون حزينين جداً. قلنا: دكتور، الإمام الصدر غُيّب منذ مدة وجيزة جداً، أي منذ حوالى خمسة أشهر، وهو الرقم الأول في حركة أمل، وأنت الرقم الثاني. يعني هل يجوز تعريض حركة أمل لفقد قيادتها بهذه الطريقة؟ نحن بحاجة إليك يا دكتور. قال: أنا وجودي في إيران أفضل لها ولكم. بعدها لا يستطيع أحد أن يناقش. هو عدَّ كلام الإمام أمراً ملزماً، واستمرت هذه المسألة.
بالواقع، كنا نتواصل مع الشهيد شمران، والكثير من الطلاب من سنة 1979 كانوا معه، وكان عندنا الشهيد علي عباس، وعبد الرضا الموسوي، وصادق كفلكفل، وطه حسين، ونصيف نعمة، وزهير علوي. كانت مجموعة من الشباب الذين بقوا معه هناك. وأنا طلب مني أن أبقى في المؤسسة وأتابع عملي في هذا الإطار.
في هذا الأمر أول ما تعرفنا إلى الإمام الراحل الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي قدس سره كان سنة 1980 في مكتب الشهيد مصطفى شمران. كان لقاءً عابراً، والشهيد مصطفى شمران، بدل أن يتحدث عمَن نحن، كان يتحدث عن مؤسسة جبل عامل المهنية: أن هؤلاء من المؤسسة... وهو يمتدح الطلاب ومعظم الشهداء ومصنع الرجال... بعد هذا الأمر، جلسنا لدقائق مع السيد القائد، وهو غادر؛ كان مشغولاً جداً.
والشهيد شمران، ما كان دوره ووقته والقائد ما دوره؟
كان الشهيد شمران وزيراً للدفاع، والإمام السيد القائد الشهيد الخامنئي كان ممثل الإمام الخميني في مجلس الدفاع الأعلى. وذهبوا إلى الجبهة، حيث لم يكن هناك قوة، وكان هناك حالة تمرد وتهديد من هنا وتهديد من هناك، وقت المشكلات التي حدثت هناك.
وبعد هذا الأمر، في الواقع كان لدينا لقاءات عدة مع السيد القائد. إذا سمحت لي أن آخذ هذا، يعني اللقاء كان في 25 شباط 1979، شهر الانتصار. التعرف إلى السيد الخامنئي بواسطة الشهيد مصطفى شمران. لقاء الإمام السيد القائد الخامنئي في عام 1997، عندما كنا هناك للتهنئة بالسيد خاتمي رئيساً للجمهورية. لقاء الإمام السيد القائد الخامنئي في مؤتمر البرلمانيين العرب، مؤتمر تأسيس البرلمانيين الإسلاميين، وقابلنا وقتها الكثير من الشخصيات: ناطق نوري، والشيخ الرفسنجاني رحمه الله، وكان وزير الخارجية كمال خرازي في تلك المدة.
بعد ذلك، أظن في عام 1989، عند تشييع الإمام الخميني قدس الله سره، في الواقع كان قد حُدّد لنا لقاء بصفتنا وفد حركة أمل، وأنا كنت رئيس هذا الوفد، والتقيناه هناك. وبالتالي من الطبيعي لهذه الشخصية الملتصقة بقضايا المحرومين والثوار أن يكون لنا بها لقاء. وبايعنا حقيقة الإمام السيد علي الخامنئي؛ لأنه شخصية واعدة، كالشمس المشرقة كما عبّر عنها الإمام الخميني قدس الله سره. وبعد هذا قال في هذا الحوار، بعدما قدمنا واجب العزاء والاحترام والإجلال، وفي الحقيقة عندما جلست معه أنا هذه المرة كنت أشعر بالرهبة؛ هذه الشخصية الواعدة التي ستتحمل ما تنوء به الجبال، بعد حرب طويلة وحصار مفروض وما إلى ذلك. وفي الحقيقة وجدت في وجهه قوة البأس والشجاعة والرأفة والمحبة. كان يتحدث: أنتم حركة أمل منا، والإمام الصدر إن شاء الله يعود، وهو قدم مزيداً من الجهاد والتضحية، وفي الحقيقة رفع الغبن عن الشيعة في لبنان لمدة طويلة محددة. يبدو أنه على اطلاع بسيرة الإمام تفصيلياً. وأيضاً ركز على أن الإمام الصدر حدد موقفه من "إسرائيل" وقال إنها «شر مطلق»، وأن الإمام الخميني قال «إن "إسرائيل" غدة سرطانية»، فهما يوصلان إلى مفهوم الشر الحقيقي. وبعدها قال: حركة أمل، أنتم منا ونحن أهلكم. وبالتالي نأمل أن تتكرر زيارتكم إلى بلدكم هنا. وإن شاء الله نحن سنوجّه الإخوة هنا ليؤدوا واجب الاستقبال وتسهيل الأمور لحركة أمل، وأنتم منا. ركّز عليها مرة ثانية.
بعد ذلك، في لقاء آخر في أربعين الإمام الخميني، في شهر تموز عام 1989، كان لقاء دولة الرئيس الأخ الأستاذ نبيه بري، وأنا لكوني ممسكاً بهذا الملف أو معتنيًا به، وكانت معنا بعض الشخصيات الحركية. هو فاجأني حقيقة بهذا الكلام. بعدما قدم الرئيس بري التعازي، وأيضاً شدد على أهمية العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقال أنتم قدوة لنا... تعرف هذا الكلام محبب لدى الرئيس بري ويقوله من القلب، يعني حقيقي ومفعم بالحب تجاه السيد القائد والجمهورية الإسلامية الإيرانية. فسمعت كلاماً لم أتوقعه من السيد القائد. ما كنت أتوقع أن يحدثنا بهذا؛ لأنه إذا قلت إن فيه مجاملة، فهي محببة وليست ممقوتة، مجاملاته هذه محببة جداً. ولكن تفاجأت؛ يقول: أنتم بين أهلكم. وتوجه إلى دولة الرئيس وقال له: عظمك من عظمي، ولحمك من لحمي، ودمك من دمي، عدوك عدوي، وصديقك صديقي... قال له الرئيس بري الحقيقة: استحق، مع كل شكر وامتنان، وانحنى أمام السيد القائد. عندما خرجنا، قلت لدولة الرئيس: تعرف أنت أن هذا الكلام: لحمك من لحمي؟ هذا، مولانا، في دعاء الإمام زين العابدين، وفي دعاء الندبة... يعني يقول للإمام علي، والرسول عليه الصلاة والسلام: لحمك من لحمي. وهذه مسألة لا يقولها الإمام إذا لم يكن على قناعة راسخة. وهذه مرحلة جديدة إن شاء الله، إضافة إلى المراحل الوطيدة مع الجمهورية، ستكون أقوى وأفضل في هذا الإطار. وفي الحقيقة عندما جلست مع الرئيس بري، اغرورقت عيناه بالدمع، أنه بهذا الكلام يريد أن يضعنا في هذا الموقع المشرف لنا جميعاً.
بعد ذلك كانت هناك لقاءات متعددة في مناسبة مؤتمرات منظمة التعاون الإسلامي، وأيضاً لقاء عُقد مع الإمام في عام 2017. وأيضاً من اللقاءات الثلاثة عشر التي حضرتها مع السيد القائد الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي قدس الله سره، في الحقيقة كنت مع مجموعة من كبار الوفود بصفتي رئيس وفد... الرئيس لم يكن معنا في تلك المدة، كان عنده عمل ضروري. وقف هو بعدما انتهى الخطاب، وأنا كنت في الصف الأمامي، نظر إليّ، فوقفت مباشرة وأنا أتشوّق حتى أصل إليه، فتقدم مني وضمني وقبّلني، وسأل: كيف دولة الرئيس؟ كيف الإخوة في حركة أمل؟ أهلاً بكم... واحتضنني بشدة. يعني كنت مبهوراً جداً بهذا اللقاء وبهذه الحفاوة. وأنا أستحق هذا سيدنا؟ بكل محبة وانحناء. هذا التواضع الكبير؛ هذا الرجل الذي يُعدّ، حسب صحيفة «فوربس»، من أهم الشخصيات العالمية في آخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. يعني من أهم الشخصيات، وهذا بشهادة القريب والبعيد، فالذي يحب والذي يقرأ يعترف بهذا.
الملاحظة أنني مع الوفود منذ مدة، وهو لا يعرفني بالاسم، ولكنه عندما نظر إليّ عرفني مباشرة. هذه الذاكرة، وهذه النباهة، وهذا الحفظ الكبير. يعني من الشخصيات العالمية، يرى آلاف الأشخاص، كيف يتذكر أننا في لبنان وكذا؟
واقعاً هناك عظمة مصاب باستشهاد الإمام القائد السيد علي الخامنئي. في الحقيقة عندما نذكر هذا الرجل بما أعطى، وبما قدم، وبما ضحى، وسيرته الذاتية، فأي إنسان لا يكون مأموناً من البكاء، لا بد إلا أن يعتريه الحزن الشديد على فقدان هذه الشخصية.
في لقاء لنا معه للتعزية بالسيد رئيسي، وكان معنا الرئيس نبيه بري، الذي قدم واجب العزاء والحزن على الرئيس رئيسي، وعلى وزير الخارجية، وكان صديقاً ومحبباً لدى الرئيس ولدينا أيضاً، تحدث الرئيس بري بألم وحسرة، فقال له السيد القائد: إن هذه المصائب تقوّينا، نحن نستفيد منها... بعد ذلك استذكر السيد الخامنئي حادثة تفجير مقر الحزب الجمهوري، إذ ذهبت أكثر من ستين شخصية مهمة جداً، وكان من قبل ومن بعد الشهيد رجائي وباهنر، أي كانت مدة محفوفة بالحزن، فقال السيد القائد: ذهبنا للإمام الخميني، ماذا نفعل؟ وهذه مصائب كثيرة. ويضيف: سمعت مسألة من السيد الخميني في تلك المدة: إن المقابر مليئة بعظماء كان الناس يظنون أن عجلة التاريخ تتوقف من دونهم. فنحن عندنا من الخبرات والقناعة والإيمان ما يجعل هذه المسيرة تندفع بقوة أكثر، ولن تتوقف بإذن الله تعالى.
ففي الحقيقة استشهاد الإمام القائد هو مسألة تشكّل إدانة للمجرمين الأمريكيين والصهاينة، وبالتالي تؤكد مدى عزيمة الإمام على الصمود مع الناس. لأنه كما قال الدكتور لاريجاني رحمة الله عليه، قال إنه ذهب إليه ويريد أن يخرجه من المنزل، ونسبة الخطر مئة بالمئة. فقال له: أنت ماذا تريد؟ ماذا تقول؟ هل أخرج أنا؟ قال: نعم، إلى مكان آمن ومحصّن، أنت وعائلتك. قال: هل تستطيع أن تؤمّن هذا للشعب الإيراني كله؟ قال: لا سيدنا. قال: إذن أنا لا أغادر منزلي، والأعداء يعرفون هذا، لن أغادر. وهو كان متحققاً من أن نسبة الخطر مئة بالمئة، وبقي صامداً هناك، وبقي مثلاً للقيادة التي تتصل مع هموم مجتمعها ولا تنفصل عن هذه الأمور بلحظة من اللحظات.
يعني بعض الأحيان هناك قادة ينظّرون، ويقولون كلاماً، ويعطون توجيهات، ولكن يقولون هذا لعامة الشعب. أما نسبة الالتزام به حتى عند الأقرباء والمحيطين به، فتكون بسيطة جداً. أما الإمام القائد، السيد علي الخامنئي رحمه الله عليه وقدس الله سره، فأنا أعتقد أنه كان أنموذجاً ومثالاً للناس. يعني لا يوجد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعالم الإسلامي من يتقدم على الإمام السيد علي الخامنئي بالتضحية والجهاد والمثابرة والإخلاص للمبادئ والقيم التي ارتكزت عليها. هذه مسألة، في الحقيقة، رغم الخسائر الكبيرة، تدعونا إلى الحزن، وتدعونا إلى التأمل، أن هذا التاريخ الناصع لا يُصنع فقط بالكلام، إنما بممارسة الحق والخير، والاقتداء بالرسول عليه السلام. وبالتالي كان وفياً لهذا النهج ولهذا الخط، وكان القائل الفاعل: الإمام السيد علي الخامنئي.
أنتم أشرتم إلى جذور مهمة جداً في نشأة العلاقة الوطيدة بين حركة أمل والثورة الإسلامية في إيران، وخاصة هذه المقاربة بين شخصية الإمام موسى الصدر والإمام الخميني والتوجهات المشتركة عندهما، وأشرتم إلى دور الشهيد شمران كحلقة الوصل بين إيران ولبنان والحركة المقاومة في لبنان والثورة الإسلامية في إيران. من اللافت أن الشخصية القريبة جداً من الإمام موسى الصدر في لبنان هي الشهيد شمران. عندما يأتي إلى إيران، في تلك السنوات القليلة التي عاش فيها الشهيد شمران هناك، ربما كان الإمام الخامنئي الشهيد من أقرب الشخصيات إلى الشهيد شمران. كيف تصفون هذه الصورة؟ وما هي السمات المشتركة بين شخصية الإمام موسى الصدر وشخصية الإمام الخامنئي الشهيد التي تجذب الشهيد شمران إلى هاتين الشخصيتين؟
أنا في الحقيقة، أقول: من يصنع التاريخ رجال قلة. وبالتالي بين الإمام الشهيد موسى الصدر وبين الشهيد الخامنئي قدس الله سره، لقاء فكري وأيضاً لقاء معنوي. اللقاء الفكري أن هناك مرحلة من المراحل التي التقى فيها الإمام الشهيد القائد الخامنئي مع الإمام الشهيد موسى الصدر في قم، وحتى السيد القائد يذكر أن هذه المرحلة كانت عملية تأثر متبادل في ما بينهما. يعني الإمام الصدر يكبر السيد الخامنئي بـ11 عاماً؛ وُلد عام 1928، والسيد الخامنئي عام 1939 تقريباً. وبالتالي كان معجباً بالإمام الصدر، خاصة عندما بدأ الأخير يتحدث في تلك المدة عن الاقتصاد الإسلامي، وإصدار مجلة فصلية تتحدث عن هذا الأمر. وفي مذكرات السيد الخامنئي يتحدث عن الاقتصاد الإسلامي وإصدار مجلة فصلية تتحدث عن هذا الأمر...
وبالتالي الإمام الصدر جاء إلى لبنان في سنة 1960. معايشة الإمام الصدر والسيد الخامنئي قدس الله سره كانت لا تتجاوز السنة والنصف، إنما كانت عملية تواصل دائمة عبر الشهيد مصطفى شمران. وهناك شخصيات كان يتحدث عنها الإمام الصدر، مثل الشهيد مطهري، طبعاً قبل استشهاده، أفكاره وبعض الملامح التي يتسم بها في تلك المدة. وبالتالي كان يتحدث عن البارزين في قم من الطلاب الذين يعول عليهم في المستقبل. السيد علي الخامنئي كان يذكر هذا الكلام. الشهيد شمران، يبدو أنه كان على صلة أقوى في التواصل مع السيد الخامنئي. الآن، لا أعرف صلة الوصل، لكن هذا الأمر كان ملاحظاً. كان يتحدث عن بعض الأسماء.
وأيضاً أذكر عندما كان هناك اهتمام بالدكتور علي شريعتي، وتُرجمت بعض الكتب: «الشهادة»، و«هكذا كان يا أخي» و«الدعاء»، و«فاطمة هي فاطمة» إلى آخره، كان من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية. ومن ضمن الكتب التي تُرجمت للشهيد مطهري في تلك المدة. هذه المدة التي عايشها الإمام مع السيد القائد الخامنئي لم تكن مدة استخراج المؤلفات المكتوبة، إنما كانت مراسلات. هذه المراسلات سمعت عنها من الشهيد شمران قبل انتصار الثورة، ولكن لا نركز كثيراً على علاقة مباشرة مع الأشخاص. حفظنا اسم الإمام الخميني وقتها.
في سنوات قيادة الإمام الخامنئي الشهيد للثورة الإسلامية، أنتم أشرتم إلى اللقاء الأول بعد رحيل الإمام الخميني. حضرتكم كنتم على رأس وفد حركة أمل لتشييع الإمام الخميني ومبايعة الإمام الخامنئي قائداً للثورة. في هذه السنوات كلها، كيف تقيمون قيادة الإمام الخامنئي وعلاقته بلبنان؟ ملف لبنان، أين موقعيته وشيعته والمقاومة فيه في فكر الإمام الخامنئي ومواقفه وقراراته، خاصة أنتم على صلة مباشرة مع ملف إيران في الحركة؟
أنا أريد أن أشير إلى مسألة في البداية، في مكونات عامة للثورة الإسلامية في إيران، القادة المخلصون يلتزمون بها ويؤمنون بهذه القناعات. منها قضية فلسطين، والمقاومة في لبنان، ومنها التواصل مع الأحرار في العالم. يعني مثلاً القضية الفلسطينية لم تكن نتاج انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بل سبقته. عادة الثورات كلها تحدث في العالم لأسباب اجتماعية ولظلم ولممارسات سلبية... ولكن اللافت أنه في التنظير للثورة الإسلامية الإيرانية قبل الانتصار كانت القضية الفلسطينية قضية حاضرة وحاسمة. الإمام الخميني كتب كتاباً عن فلسطين، وفي خطبه قدس الله سره عن القضية الفلسطينية قبل انتصار الثورة، يعني كان هذا الأمر موجوداً. حتى الإمام الصدر كان عمره 14 سنة عندما كتب مقالاً ضد شاه إيران في جريدة «استوار» في قم في تلك المدة، يعني كان عمر الإمام 16 سنة، وبالتالي كان يتحدث عن ظلم الشاه، وأيضاً يتحدث عن قضية فلسطين. يعني إذا رجعنا إلى خطب الإمام الخامنئي قدس الله سره، لا يوجد خطاب إلا وفيه حديث عن قضية فلسطين وغير ذلك، وهذه من الهموم التي واكبت القاضي.
ما يميز عمل الإمام الخامنئي ما بعد 1989، نتيجة مستجدات كثيرة حدثت في العالم، أنه لم يقسم العالم إلى ديار الكفر وديار الإيمان كما تتحدث بعض الأحزاب الإسلامية العالمية، سواء لم يكونوا من الشيعة أو من الأحزاب كافة، بل كان يتحدث عن الظالم والمظلوم في العالم. ومن هنا مسألة فنزويلا ومسائل التعاطي مع الثوار وتأييدهم، رفع مطالبهم في الصحافة والأماكن، بناءً على توجيهات السيد القائد. هذا اتجاه يُدرّس في الجامعات: الفروقات التي يمكن أن نتحدث عنها بين شعارات أحزاب إسلامية تركز على الكافر والمؤمن، وبين السلوك الذي اتخذه الإمام القائد السيد علي الخامنئي، بأن العالم عنده ظالم ومظلوم، مستضعفون ومستكبرون، بغض النظر عن انتمائهم الديني. وهذه مسألة شكلت فتحاً عظيماً للعالم، وغيرت آراء بعض الأحزاب فيه، حتى اليسارية، وحتى في أوروبا بدأوا ينظرون إلى الثورة الإسلامية بعين أخرى عما كان في السابق، إذ كانوا ينظرون إليها أنها فقط شيعية ومذهبية وما إلى ذلك.
أعتقد أن هذا الأمر يمكن أن نتحدث عنه بدقائق، ولكنه كلّف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثمناً باهظاً: حصاراً، وأيضاً جهداً كبيراً، وتكالب الأمم عليهم؛ لأنهم انتصروا للمظلوم على الظلم.
بالتحديد، سياسات القائد الشهيد تجاه لبنان ومقاومة الشعب اللبناني في مواجهة العدو الصهيوني، هل لديكم في ذاكرتكم بعض المواقف البارزة، خاصة في اللقاءات مع حركة أمل، وتوصياته لها؟
مولانا كان الإمام يرى أن المقاومة في لبنان بوجودها أمر أساسي وضروري، وكان يتحدث عن دور الإمام الصدر في إنشاء أفواج المقاومة. يبدو أنه على اطلاع واسع بهذا الإطار، وكان يوصي دائماً بضرورة حفظ هذه المقاومة وصيانتها. ولذلك ولا جلسة من هذه الجلسات كانت تخلو من تأكيد الوحدة الإسلامية، والوحدة خصوصاً بين الشيعة، وبالأخص بين حركة أمل وحزب الله. يعني يبدأ حديثه بالاستفسار عن علاقتنا ببعضنا، وينتهي بتوصية دائماً يتحدث فيها عن ضرورة الوحدة الإسلامية والوحدة الشيعية وأهميتهما، حتى في جلسة أخيرة كان لافتاً هذا الأمر عندما كان الرئيس الأخ الرئيس بري في تعزية بالرئيس رئيسي، فتحدث الإمام عن الوحدة الوطنية في لبنان. يعني أنا كنت أسمع منه عن الوحدة الإسلامية، والوحدة بين الشيعة، وبالأخص حركة أمل وحزب الله. في هذه المرة تحدث عن الوحدة الوطنية. كان أيضاً إضافة إلى هذا الأمر، يقول إن قوة لبنان في وحدة مواقفه وطوائفه، ويجب أن تكونوا موحدين في وجه العدو. هذا لا يعجب البعض: في وجه العدو. ولكنه أكد هذه الوحدة.
هل لمستم لو مرة مثلاً أنه يتدخل في الشؤون اللبنانية أو يريد أن يعطي بعض الأوامر؟ كيف كان يتعامل مع حركة أمل؟
لم أسمع منه أي شيء سوى خطوط عريضة، توصي بالوحدة والمثابرة على هذا الخط، والدعاء بأن يعيد الإمام الصدر والشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. طبعاً هو يذكر الإمام الصدر وأخويه، وذلك ليس من باب الهروب من الجواب، ولكن لم أسمع مرة واحدة ماذا علينا أن نفعل. ولكن خطوط عامة بضرورة الوحدة وكلمة التوحيد، وإلى آخر هذه الأمور الأساسية.
كيف ترون مستقبل المنطقة بعد شهادة القائد وتأثير هذه الدماء في نهضة الشعوب أو صحوة الشعوب في المنطقة؟
في الحقيقة نحن في مرحلة مصيرية جداً ودقيقة؛ لأن النظام العالمي القديم انتهى، ولم تتحدد ملامح النظام العالمي الجديد. ولذلك، الصراع كله الذي نشهده اليوم هو محاولة لرسم تموضع القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، من جديد. يعني في النظام العالمي القديم كانت أوروبا حاكمة وتقرر مصير المنطقة، والآن أرى أن هذا الدور فقدته أوروبا، والأمريكي هو الذي يحاول أن يحدد معالم هذه المرحلة وتموضع الأنظمة الجديدة. المنطقة كلها في الشرق الأوسط بكامله، وغرب آسيا كلها، تحت قبضة الولايات المتحدة الأمريكية. يعني لا تبحث عن دور لها في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا؛ لأنهم تحت السيطرة، أنظمة مصالحة لـ "إسرائيل"، ومال النفط موجود لدى أمريكا، وما صارت مصائر الدول إلا في يد الولايات المتحدة الأمريكية، عبارة عن محطات بنزين يرفعون علماً، وفي الآخر الأمريكي يتصرف كما يشاء: يفرض خوّات، يفرض قواعد، يفرض هيمنة، يفرض ما يشاء، يعني تحت العباءة الأمريكية.
بقي خارج هذا السياق وضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمقاومة في لبنان وفي غزة. يعني هم يريدون التخلص من هذا الواقع حتى يجدوا منطقة شاملة كاملة تحت الوصاية الأمريكية. ولكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استطاعت أن تحمي نفسها، وتحمي حدودها، وتحمي مستقبلها، والرؤية التي تقوم عليها. ولذلك الآن، الشعارات كلها التي رفعها الأمريكي بتغيير النظام، أو تبديل سلوكه، أو أي شيء آخر، لم تصل إلى النتائج المرجوة.
الآن نحن في مرحلة استطاعت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تجد نفسها وتحميها في ظل النظام العالمي الجديد. لا يستطيع أحد أن يتجاوز إيران. حتى مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء سألت العدو أو الصديق، القريب أو البعيد، الأجنبي أو المحلي، كلهم يقولون إن هذا التفاهم جاء لمصلحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واستطاعت أن تفرض نفسها على النظام العالمي الجديد. كما قال الإمام السيد موسى الصدر: لا حياة للضعفاء تحت نور الشمس. القوة هي التي تثبت، كما قال السيد القائد: إننا لم نخسر أرضاً، ولم نتخلَّ عن عقيدة أو مبدأ، وحافظنا على النظام وعلى القيادة بصورة طبيعية. أيضاً هذا الأمر سيستمر بإذن الله تعالى، وبالتالي لن نكون ملحقين بأي نظام جديد أو خاضعين لتمنيات القوى الأخرى وأحلامها. وهذا ينبع من موضع الاقتدار على المستويات كافة التي تتمتع بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي حافظت على ثرواتها وعلى حدودها، وأيضاً على قوتها على مستوى العالم.
سؤال آخر: بعد شهادة سماحة السيد حسن نصر الله، في أول خطبة جمعة للقائد الشهيد في جمعة النصر، نحن نقول خاطب الإمام الخامنئي باللغة العربية، ربما هذه آخر كلمة عربية له إلى الشعب اللبناني، وقال: عزائي يا شعب لبنان الوفي، يا شباب حزب الله وحركة أمل المفعمين بالحماسة، يا أبنائي... وأعطى أجمل التوصيات. كيف تلقى جمهور حركة أمل هذا الخطاب للقائد الشهيد؟
هذا الخطاب ليس جديداً بالنسبة إلينا؛ لأنه في أكثر اللقاءات عندما يذكر حزب الله يذكر حركة أمل، السيد القائد لا ينسى. وحتى في بعض الأحيان نحن لم نكن موجودين في لقاءات معينة، نسمع من التصريح أنه: حركة أمل وحزب الله، حزب الله وحركة أمل. وبالتالي، تشكلت بيئة مقاومة منذ زمن بعيد جداً، وخلفيتها الفكرية حسينية. وعلى صعيد الميدان، الإمام السيد موسى الصدر عندما بدأ بالتدريب كان هناك تذمر من بعض علماء الدين عندنا: أنك تعرض الأطفال للهلاك، والنساء للسبي، والشيوخ للقتل، و"إسرائيل" ستدمر بيوتنا وتحرق مزارعنا... فكيف تسلك هذا السلوك عندما دعا إلى التدريب وحمل السلاح وقال إن اقتناء السلاح واجب كاقتناء القرآن والإنجيل في منازلنا، وغيره؟ فصارت حملة كبيرة؛ جريدة «الحوادث» ومجلة «الحوادث» قالتا له: هذا الجو يا مولانا عارم جداً ضدك، أنت تدعو إلى المقاومة. فجاء بجواب بسيط: ألسنا ننتمي إلى كربلاء؟ وفي كربلاء قدم الإمام الحسين كل شيء. فبالتالي، نحن نرى كل شيء في هذه الحياة من ثقافتنا، وصدى لرأي الإمام السيد القائد وتوجيهه لحركة أمل وحزب الله، نرى أن كل شيء له ثمن. وبعض الأحيان إذا لم تدفع الثمن فقد يكون الثمن أكبر. يعني إذا مرضت تذهب إلى الطبيب وتدفع مالاً. طيب، ممكن ألا تدفع الثمن، ولكن ما النتيجة؟ تموت في البيت. طيب، ممكن تريد أن يكون ابنك أو ابنتك في المدرسة، فتدفع أقساطاً كبيرة، ألفين أو خمسة آلاف دولار في السنة، يمكن أن توفر ولا تدفع الثمن، ولكن ابنك سيبقى جاهلاً، وسيعيش مشرداً وخارجاً عن بيته وعن محيطه. يعني دائماً مسألة الأثمان لسنا مسؤولين عنها، مسؤول عنها العدو الذي يدمر، والذي يقتل، والذي يخرب، والذي يستهدف الآمنين: الأطفال، الكبار، الصغار. في لبنان أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة شهيد، وأكثر من اثني عشر ألف جريح، وبيوت مدمرة، حوالى ستين ألف وحدة سكنية إلى آخره.
لكن "إسرائيل" دخلت إلى حولا عام 1948، واستشهد مئة وثلاثة شهداء في شهر تشرين. كان بيغن رئيس العصابة عام 1948، لم يكن هناك لا جيش ولا مقاومة ولا جمهورية إسلامية ولا... فهذا الخطر جاثم عندنا. المشكلة موقعنا الجغرافي. الإمام الصدر يقول: الله كرّمنا بأنه وضعنا في موقع فيه تحدٍّ، وهذا التحدي إما أن يكون الإنسان بمستواه، أو أنه لن يستطيع النجاة. يعني انعدام الوقوف في وجه الأعداء لن يؤمّن لك طوق النجاة في النهاية. فهذا الأمر طبيعي، والبيئة الموجودة هي بيئة مهيأة منذ مدة طويلة. يعني ثقافة الإمام الصدر وتوجهاته والحديث الدائم. يقف في ياطر مبكراً عام 1975، ويقول للمواطن الجنوبي: بِع بيتك واشترِ سلاحاً، بِع فراشك واشترِ سلاحاً، بِع بقرتك واشترِ سلاحاً. يعني بمعنى آخر: إذا استُضعفنا، فلن يبقى لنا شيء إطلاقاً. فهذا الأمر لم يلقَ استغراباً في بيئتنا وفي مجتمعنا. هناك بعض الألسن، بعض الذين لم ينتموا إلى بيئة المقاومة حقيقة، لا يشكلون تياراً فعلياً عملياً على أرض الواقع.
كان يقول الإمام الخامنئي: إن المقاومة لها تكلفتها، ولكن حتماً تكلفة الاستسلام أكثر.
هذا الذي أردنا أن نقوله: تكلفة الاستسلام أكبر بكثير. وهذه حقيقة موضوعية على الأرض.
يعني أُثبتت هذه الحقيقة في التجربة التاريخية.
واعتداءات "إسرائيل" سابقة على تكوّن المقاومة، وجاءت المقاومة بفعل الاعتداءات الإسرائيلية.
نعم.
نشكركم جزيل الشكر. إذا لديكم كلمة أخيرة؟
شكراً لكم، حفظكم الله، إن شاء الله، وبارك بكم.
شكراً لكم على وقتكم، وإن شاء الله نكون قد وُفقنا.
ممتاز جداً، شكراً جزيلاً.
2026/08/25

