logo khamenei

وقف إطلاق النار الشامل في لبنان أثبت ترابط جبهة المقاومة وقدرتها على فرض شروطها

وقف إطلاق النار الشامل في لبنان أثبت ترابط جبهة المقاومة وقدرتها على فرض شروطها

ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالًا لمستشار الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجيّة في جمهورية إيران الإسلاميّة الدكتور علي صفري يعرض فيه قراءةً تحليليةً لمسار التصعيد في لبنان، مبيّنًا أنّ انهيار وقف إطلاق النار وتجدّد المواجهة جاءا نتيجة تراكم الانتهاكات الصهيونية والضغوط الأمريكية وفشل المسارات الدبلوماسية، في ظلّ تداخل إقليمي واستغلال حزب الله فرصة دخول الجمهورية الإسلاميّة الحرب لتوجيه ضربة إلى الكيان الصهيوني، وما تبع ذلك من تحوّل ميداني وسياسي نتيجة ترابط جبهة المقاومة التي أعادت تشكيل موازين القوى وفرضت وقف إطلاق النار.

الكاتب: الدكتور علي صفري
تزامناً مع العدوان الذي شنّه النظامان الأمريكي والصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبداية الحرب، انهار وقف إطلاق النار الهشّ والأحادي الجانب الذي كان قائماً في لبنان منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لتشتعل من جديد نيران الاعتداءات الصهيونية على هذا البلد. وقد اتخذ الكيان الصهيوني من العملية المحدودة التي نفّذتها المقاومة الإسلامية في لبنان في 2 مارس/آذار ضد مواقعه ذريعةً لتبرير جرائمه، في حين أنّه كان قد انتهك اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من خمسة آلاف مرة منذ نوفمبر 2024، ما جعل الواقع فعلياً أقرب إلى وقف إطلاق نار أحادي الجانب مفروض على الجبهة اللبنانية.
وفي الوقت الذي كان فيه «حزب الله» وسائر فصائل المقاومة قد أوقفت عملياتها ضد الكيان الصهيوني في إطار مراعاة المصالح العامة للبنان، وأتاحت الفرصة أمام الدولة اللبنانية لمعالجة القضية بوسائلها، استغلّ الاحتلال هذا الوضع لمواصلة الاغتيالات الممنهجة، وقصف المناطق السكنية، والتحليق بحرية في الأجواء اللبنانية، واحتلال خمس نقاط استراتيجية في الجنوب.
ومن جهة أخرى، عمل الكيان الصهيوني على تصعيد الضغط العسكري وتعزيز الضغوط السياسية عبر الولايات المتحدة، مما أدى إلى تأجيج الساحة الداخلية اللبنانية، كما سعى عبر حلفائه في الداخل إلى ربط عدد من الملفات، ومنها الانسحاب من المناطق المحتلة، بملف نزع سلاح «حزب الله.«
وقد أدّت هذه الظروف، التي كانت نتاج تقاعس الدولة اللبنانية من جهة والطبيعة العدوانية للكيان الصهيوني من جهة أخرى، إلى تدهور الأوضاع في لبنان يوماً بعد يوم، وإلى خلق حالة من الانسداد الكامل في البلاد.
في ظلّ هذه الظروف، وبعد أن ثبت عدم جدوى الآليات السياسية والدبلوماسية، وبالتزامن مع العدوان المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية واغتيال قائد الثورة الإسلامية، اتخذ «حزب الله» في لبنان، آخذاً في الحسبان المقتضيات الميدانية والسياسية، قراراً—بعد 48 ساعة—بالبدء بتنفيذ هجمات ضد قواعد الكيان الصهيوني في شمال فلسطين المحتلة.
وخلافاً لما روّجت له بعض وسائل الإعلام، لم تكن هجمات «حزب الله» عملاً عاطفياً عقب استشهاد قائد الثورة الإسلامية، بل إن هذه العملية العسكرية الدقيقة التي نفّذها «حزب الله» جاءت في سياق اغتنامٍ صائبٍ للفرص ضمن تنفيذ استراتيجية «وحدة الساحات»، وشكّلت خطوة هجومية لكسر حالة الجمود التي كان الكيان الصهيوني قد فرضها في مرحلة ما بعد حرب الـ66 يوماً في لبنان.
وبالتوازي مع الجرائم التي ارتكبها في إيران، انتهك الكيان الصهيوني في الجبهة اللبنانية في أربعين يوماً من القتال القوانين الإنسانية كافة، مرتكباً جرائم متعددة. ومع ذلك، استطاع «حزب الله»، عبر إظهار تكتيكات جديدة في ساحة المعركة، أن يقدّم نموذجاً مختلفاً في أسلوب القتال، مما أثار دهشة المراقبين الدوليين إلى جانب "إسرائيل"، حتى إن بعضهم علّق بسخرية على مزاعم الكيان بإعادة «حزب الله» عشرين عاماً إلى الوراء، قائلاً إن الحزب عاد بالفعل إلى عام 2006 (أيام انتصارات حرب تموز).
ورغم الظروف القاسية التي عاشها «حزب الله» في العام والنصف الماضيين تحت القصف الجوي، فقد تمكّن من استعادة جزء كبير من قدراته. وذلك في وقت خاضت فيه المقاومة الإسلامية في لبنان هذه المعركة للمرة الأولى دون خطوط إمداد من سوريا وإيران، وعلى نحو مستقل.
ومع ذلك، وبالتزامن مع حالة الانسداد التي واجهتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في إيران، سرعان ما وصلت الحرب في لبنان إلى طريق مسدود، إذ دفع عجز العدو عن تحديد مواقع «حزب الله» واستهدافها إلى تكثيف قصف المناطق السكنية وإصدار إنذارات بإخلاء مناطق واسعة.
وفي هذه الأثناء، أدركت الولايات المتحدة عبثية الضغط العسكري على إيران ومحور المقاومة، فباشرت اختبار المسارات الدبلوماسية للتواصل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الجهود، ولا مساعي الوسطاء إلى خفض التوتر، لتروق لـ بنيامين نتنياهو الذي يرى في الحرب والتوتر ضمانة لبقائه.
غير أنّ الحقيقة القاسية لما يمكن وصفه بالمقاومة الأسطورية لمحور المقاومة دفعت الطرف المقابل إلى القناعة بضرورة اختبار المسار الدبلوماسي، رغم تزامن ذلك مع تصعيد الجرائم الصهيونية بهدف إفشال أي مبادرة سياسية.
وقدّمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بوصفها طرفاً يرى نفسه متقدماً في هذه الحرب حتى الآن، شروطها وردودها إلى الوسطاء. وكان من أبرز هذه الشروط، وربما أكثرها حساسية، ضرورة بدء وقف إطلاق نار شامل في المنطقة، ولا سيما في لبنان، قبل الشروع في أي مفاوضات.
وقد نظر الوسطاء منذ البداية إلى هذا الشرط بعين الشك، إذ كان الكيان الصهيوني قد ركّز في السنوات الثلاث الماضية على تحطيم محور المقاومة، وعدّ تدمير القدرات العسكرية لـ«حزب الله» إنجازاً كبيراً، وكان يسعى بعد انتهاء الحرب مع إيران إلى توجيه كامل قوته العسكرية نحو لبنان ومعاقبة شعبه بأبشع الجرائم، وكسر استراتيجية «وحدة الساحات.«
ومع ذلك، كانت إيران جادة في طرحها، وكان منطقها واضحاً جداً: لا يمكن الحديث عن إطار لحل الخلافات في ظل اشتعال نيران الحرب والعدوان في مناطق أخرى.
وفي نهاية المطاف، وتحت ضغط الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وافقت الولايات المتحدة في اللحظات الأخيرة على شروط إيران، إذ أكد شهباز شريف في منشور على منصة «إكس» أن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين سيشمل لبنان أيضاً.
ورغم وضوح ما اتُّفق عليه في المفاوضات، شنّ الكيان الصهيوني، بعد ساعات من بدء وقف إطلاق النار، هجوماً واسعاً ووحشياً على مناطق مختلفة من لبنان، في مشهد بدا وكأنه كابوس يلاحقه مع نهاية الحرب. وقد تعرّضت بعض المناطق للقصف لأول مرة منذ عام 1982، فيما أعلن نتنياهو أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان.
وكان ما حدث جريمة جديدة وانتهاكاً صارخاً للهدنة، الأمر الذي دفع إيران إلى الاستعداد للرد. واستؤنفت الاتصالات والجهود الأمريكية عبر الوسطاء، إذ زعمت واشنطن—كذباً—عدم وجود اتفاق بشأن لبنان، وأن ما حدث كان سوء فهم من جانب إيران، وهو ادعاء كذّبه منشور رئيس وزراء باكستان.
كما ورد في الرسائل المنقولة عبر الوسطاء أن الولايات المتحدة ليست مشاركة في الحرب على لبنان، ولا يمكن توقّع أن تفرض إرادتها على "إسرائيل"، وأنه من الأفضل المشاركة في المفاوضات وعدم تفويت الفرصة.
وجاء الرد الإيراني واضحاً: «لن ننخدع بلعبة الشرطي الجيد والشرطي السيئ! إن مسؤولية أفعال "إسرائيل" في لبنان تقع على عاتق الولايات المتحدة، وإذا لم يكن لها نفوذ عليها، فكيف تعهّدت بذلك؟»
وفي خطوة وصفها الأمريكيون بأنها «إجراء لبناء الثقة»، أعلنوا أن الحرب في جنوب لبنان ستصبح أكثر محدودية، وأن بيروت لن تتعرض لهجمات. ورغم اعتبار إيران ذلك خطوة إيجابية للمشاركة في الجولة الأولى من المفاوضات، فإنها لم تره كافياً، وأعلنت أن الملاحة في مضيق هرمز لن تعود إلى طبيعتها ما لم يتوقف القتال في لبنان بصورة كاملة.
وكانت الخدعة الأخيرة من الجانب الإسرائيلي–الأمريكي هي طرح إجراء مفاوضات مباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني. وفي هذا السياق، تساءل الوسطاء: كيف تصرّون على وقف شامل لإطلاق النار قبل المفاوضات، في حين أن الحكومة اللبنانية نفسها تتفاوض تحت النار؟
وكان الرد الإيراني مجدداً مستنداً إلى منطق واضح وثابت: إن الجبهتين مترابطتان، ويجب وقف الاعتداءات الصهيونية.
وفي نهاية المطاف، وبعد فشل الخطط كافة التي أعدّها الطرف المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي في 16 أبريل/نيسان بدء وقف إطلاق النار في لبنان، مؤكداً في تصريح غير مسبوق أن قصف لبنان أصبح ممنوعاً.
وهذه هي المرة الأولى التي يُعلن فيها وقف إطلاق النار ليس من قبل رئيس وزراء "إسرائيل"، بل من قبل رئيس دولة أخرى، وكأن صورة «إسرائيل المستقلة» التي حاولوا رسمها في الأيام الماضية قد انهارت في يوم واحد.
وقد شكّل وقف إطلاق النار هذا، إلى جانب كونه انتصاراً كبيراً لمحور المقاومة وفرضه التراجع على العدو، هزيمة مطلقة لنتنياهو في الداخل الإسرائيلي حتى هذه المرحلة من الحرب. كما أشارت التقارير الإعلامية إلى حالة من الارتباك والغضب بين وزرائه وحلفائه، فضلاً عن المعارضة.
وفي هذا السياق، انتقد يائير لابيد، زعيم المعارضة في الكيان الصهيوني، أداء حكومة نتنياهو عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان و"إسرائيل"، قائلاً: «ليست هذه المرة الأولى التي تنهار فيها وعود حكومة نتنياهو جميعها».
كما ذكرت القناة 12 الإسرائيلية في تقرير لها تعليقاً على إعلان وقف إطلاق النار بين "إسرائيل" ولبنان: «الغضب يتصاعد في "إسرائيل"، لأن ترامب أعلن وقف إطلاق النار في لبنان قبل تصويت الحكومة.«
وخلاصة القول، إن ما حدث في لبنان كان نتيجة تداخل معقّد بين الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار من قبل الكيان الصهيوني، والضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية، وعجز الدولة اللبنانية، ما دفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.
وفي هذا السياق، دخل «حزب الله» على خط المواجهة بعد مدة من ضبط النفس، حين أثبتت المسارات الدبلوماسية فشلها، وتزامن ذلك مع تصاعد الضغوط الإقليمية على إيران ومحور المقاومة.
وبناءً على ذلك، فإن تحركات «حزب الله» لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل جاءت في إطار استراتيجية أوسع (وحدة الجبهات) لمواجهة الضغوط المتعددة، وهي استراتيجية نجحت في تغيير موازين القوى ووضع العدو في حالة من الانسداد على جبهتي إيران ولبنان.
كما برز الأداء الميداني لـ«حزب الله» واستعادته لقدراته—في ظل القيود اللوجستية—بوصفه دليلاً على صلابة محور المقاومة ومرونته.
وعلى الصعيد السياسي، تمكّنت إيران، عبر تمسّكها بشروطها—وخاصة ضرورة وقف إطلاق نار شامل—من الإمساك بزمام المبادرة وإجبار الطرف المقابل على الإقرار بالوقائع الميدانية.
وفي المحصلة، أفضت هذه التطورات إلى ما يمكن وصفه بـ«انتصار نسبي واستراتيجي» لمحور المقاومة؛ انتصار تجلّى ميدانياً في فرض حالة من الانسداد على العدو، وسياسياً في فرض وقف إطلاق النار وتغيير المعادلات، مقابل انكشاف عميق للإخفاقات والانقسامات داخل قيادة الكيان الصهيوني.

 

2026/04/21