logo khamenei

«النزعة الانفصالية»؛ سياسةُ "إسرائيل" الاستراتيجية لتقويض المجتمعات الإسلامية

«النزعة الانفصالية»؛ سياسةُ "إسرائيل" الاستراتيجية لتقويض المجتمعات الإسلامية

ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالًا للباحث رامين آباديان يُلقي الضوء على اعتراف الكيان الصهيوني بمنطقة «أرض الصومال» وما يحمله هذا التطور من أبعاد تتجاوز الجغرافيا، ليكشف ارتباطه باستراتيجية أوسع تقوم على دعم النزعات الانفصالية وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يخدم المصالح الصهيونية. ويرصد المقال موجة الرفض الشعبي لهذا الاعتراف داخل «أرض الصومال» وسائر البلدان العربية والإسلامية، قبل أن يتناول أمثلة تاريخية مشابهة في السودان وسوريا، موضحاً كيف يشكّل التفتيت أداة مركزية في سياسات تل أبيب الرامية إلى زعزعة الاستقرار، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية، وفرض التطبيع كأمر واقع.

في يوم الجمعة الموافق 26 كانون الأوّل/ ديسمبر، اعترف الكيان الصهيوني بمنطقة «أرض الصومال» ـ الواقعة شمال غربي دولة الصومال، التي لا تعترف بها أي دولة في العالم بوصفها دولة مستقلة. النقطة المثيرة للتأمل هي أن بنيامین نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، وصف هذه الخطوة بأنها تتماشى مع روح اتفاقيات التطبيع المعروفة بـ«أبراهام». كتب في تدوينة عبر حسابه على منصة (إكس): «إن "إسرائيل" تسعى إلى توسيع علاقاتها مع أرض الصومال عبر تعاون واسع في مجالات الزراعة، والتكنولوجيا، والطب، والاقتصاد»[1].

 

استمرار موجة معارضة الشعوب للصهاينة؛ هذه المرّة في «أرض الصّومال»

برزت معارضة الشعوب للكيان الصهيوني وإقامة العلاقات معه في قضية «أرض الصومال» أيضاً؛ ففي يوم الإثنين، التاسع والعشرين من كانون الأوّل/ ديسمبر، نظم أهالي «أرض الصّومال» تظاهرات رفعوا فيها أعلام فلسطين ورددوا شعارات مناهضة لـ"إسرائيل". كما صدحت حناجرهم بهتاف «الصومال الواحد»، مطالبين بقطع أشكال التعاون كافة مع الصهاينة. [2]

قبل ذلك أيضاً، أعربت شعوب البحرين والأردن والمغرب، عبر مسيرات حاشدة، عن دعمها الصريح لفلسطين وغزة؛ لتؤكد أنه -خلافاً لحكامها- لا مكان للمساومة في قاموسها. في سائر الدول العربية والإسلامية، سار المشهد على المنوال ذاته، إذ خرجت الجموع في اليمن والعراق ولبنان وتونس إلى الشوارع، لتعلن أنها لا تقبل الرضوخ للتطبيع مع الصهاينة تحت أي ظرف من الظروف.[1] كان قائد الثورة الإسلاميّة قد صرّح سابقاً، في معرض إشارته إلى معارضة الشعوب للمساومة مع الكيان الصهيوني، قائلاً: «لن تتحمّل الشعوب المسلمة أبداً ذلّ التطبيع مع الكيان الصهيوني. إذا كان الأمريكيّون يظنّون أنّهم سيحلّون قضية المنطقة على هذا النّحو، فهم واقعون في الخطأ. عليهم أن يعلموا أنّ أيّ نظام يجلس خلف طاولة التفاوض مع الكيان الصهيوني الغاصب، ستهتزّ مكانته بين شعبه»[2].

 

لكن، لماذا «أرض الصّومال»؟

قد يتبادر إلى الأذهان سؤال مفاده: لماذا تحظى منطقة ذات حكم ذاتي في القارة السمراء باهتمام الكيان الصهيوني؟ الواقع أن «أرض الصومال» ليست مجرد منطقة عادية، بل هي بقعة تتمتع بموقع استراتيجي فريد في القرن الأفريقي؛ إذ يحدها من الشمال خليج عدن، ومن الشمال الغربي جيبوتي، وتتشارك حدودها جنوباً وغرباً مع إثيوبيا. تبلغ مساحتها أكثر من 176 ألف كيلومتر مربع، ويمتد خطها الساحلي لنحو 800 كيلومتر على طول البحر الأحمر. بتعبير آخر، تقع «أرض الصومال» في موقع حيوي على الساحل الجنوبي لخليج عدن، أي في أحد أكثر الممرات التجارية ازدحاماً في العالم، وتحديداً عند مدخل مضيق باب المندب المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. في وصف الأهمية الاستراتيجية لـ«أرض الصّومال» يمكن القول: «هنا تكمن المنطقة التي تثير الأطماع»[3].

 

التقسيم من بوابة «أرض الصّومال»

يبدو أن أهداف الكيان من الاعتراف بـ«أرض الصّومال» - التي لم يعترف بها سوى الكيان الصهيوني غير المشروع - لا تقتصر فحسب على الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة إلى الصهاينة. في هذا السياق، يكتب المحلل العربي عبد الباري عطوان في مقال له: «إن إقدام الكيان الصهيوني على الاعتراف بأرض الصّومال يمثل تهديداً جدياً للأمن القومي لدول المنطقة، لا سيما الدول المطلة على البحر الأحمر أو تلك التي تنتمي جغرافياً إلى القرن الأفريقي. بل إن تهديد هذه الخطوة يطال دولاً مثل السعودية والسودان ومصر واليمن والأردن. ينبغي ألا ننسى أن الاعتراف بأرض الصّومال بمنزلة تأييد لتقسيم دولة الصومال الإسلامية»[4].

رأى إسماعيل نصر الدين، عضو مجلس الشيوخ المصري، أن اعتراف الكيان الصهيوني بـ«أرض الصّومال» يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول وتهديداً مباشراً لأمن منطقة القرن الأفريقي واستقرارها، قائلاً: «هذا الإجراء يعكس استمرار السياسات الاستعمارية الرامية إلى إضعاف وحدة الشعوب». أردف موضحاً: «إن اعتراف "إسرائيل" بإقليم انفصالي هو جزء من مخطط جليّ لتقويض استقرار الدول عبر دعم الانفصال»[5].

إضافة إلى ذلك، حذر النائب في البرلمان المصري، ياسر الحفناوي، من مخاطر الخطوة الأخيرة للكيان الصهيوني، واصفاً إياها بأنها خطوة في مسار إعادة رسم خارطة دول المنطقة بالاعتماد على أدوات ديبلوماسية، وقال: «إن هذا الإجراء يضاعف المخاطر الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر». أكد في سياق حديثه: «إن ما أقدمت عليه "إسرائيل" يتنافى مع القوانين والمواثيق الدولية ومبدأ احترام سيادة الدول، ويُعدّ في الواقع استمراراً لسياسات تل أبيب في نشر الفوضى وتنفيذ مشروع تفتيت دول المنطقة»[6].

 

تاريخ النزعة الانفصالية الصهيونية في السودان

يُعد «التقسيم» استراتيجية دأب الصهاينة على وضعها في جدول أعمالهم لتحقيق مصالحهم في مختلف البلدان؛ ولذا إن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على قضية «أرض الصومال» فحسب. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى تحركات الكيان الصهيوني في السودان؛ وفي هذا الصدد، أشار آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي السابق للكيان الصهيوني، صراحةً إلى دور الكيان في تقسيم السودان قائلاً: «لقد أوجدنا بؤرة أزمة دارفور وأججناها لمنع السودان من الحصول على الفرصة اللازمة لتعزيز قدراته. إن استراتيجيتنا التي نُفذت سابقاً في جنوب السودان وتنفذ الآن في غربه، قد نجحت في تحويل مسار التطورات في السودان نحو الأزمة والتقسيم. إن الصراعات الحالية في السودان ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تقسيم هذا البلد إلى دول عدة أو كيانات مستقلة»[7].

يوجه الكاتب والمحلل السوداني ياسر يوسف إبراهيم، في معرض حديثه عن الأحداث والصراعات الأخيرة في السودان، أصابع الاتهام نحو الكيان الصهيوني قائلاً: «منذ عام 1955 وحتى يومنا هذا، إن الحروب جميعها التي واجهها السودان قد حدثت بمشاركة وأدوار فاعلة من أطراف خارجية، ويأتي الكيان الصهيوني في رأس قائمة هذه التدخلات. اليوم أيضاً، وصل الكيان الصهيوني - الذي دأب على مراقبة التطورات في السودان - إلى استنتاج مفاده أن وقت تنفيذ مشروع تقسيم السودان وفصل دارفور قد حان»[8].

لقد وردت تفاصيل مرعبة عن نطاق الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الإسرائيلي للمتمردين في جنوب السودان، في كتاب «مهمة الموساد في جنوب السودان» لمؤلفه «ديفيد بن عوزيل»، أحد ضباط الموساد، وكذلك في كتاب «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» من تأليف «موشيه فرجي»، العميد المتقاعد في الموساد. شملت هذه المساعدات إرسال شحنات الأسلحة، وإيفاد الخبراء، وتدريب عشرات الآلاف من العسكريين، والمشاركة في تفجير الجسور واحتلال بعض المدن، فضلاً عن عرقلة المشاريع التنموية.

 

المساعي إلى تقسيم سوريا عبر الارتكاز على «الاحتلال» و«دعم الطوائف»

 بذل الصهاينة في العقود الأخيرة جهوداً حثيثة لتقسيم سوريا؛ ففي أوائل حزيران/ يونيو عام 1967، احتفلوا باحتلال مرتفعات «الجولان» السورية الاستراتيجية. عقب سقوط حكومة بشار الأسد، وسع الصهاينة نطاق احتلالهم؛ إذ أقدمت قوات الكيان الصهيوني، تحت غطاء من القصف العنيف لمناطق سورية مختلفة، على احتلال منطقة جبل الشيخ الاستراتيجية، ثم بسطت سيطرتها على أجزاء من القنيطرة. من جهة أخرى، قدم الصهاينة الدعم لبعض الدروز السوريين بالمال والسلاح، سعياً منهم إلى إدارة مشهد التطورات الداخلية في سوريا. في هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي: «يسعى الإسرائيليون عبر  تحركاتهم في سوريا إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى، يأتي في مقدمتها تقسيم سوريا، وزعزعة استقرار المنطقة، وتوسيع نفوذ "تل أبيب" فيها»[9].

في الختام، يمكن القول إن الكيان الصهيوني يرى في «النزعات الانفصالية» ركيزةً من الركائز الاستراتيجية لبقائه ووجوده. لقد نشر «أودد ينون»، الشخصية الصهيونية المعروفة والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية، في شباط/ فبراير 1982، خطة في مجلة «كيفونيم (Kivunim)» العبرية، عُرفت لاحقاً بـ «خطة ينون». كشفت هذه الخطة تفاصيل المشروع الإسرائيلي لتفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات طائفية ومذهبية صغيرة؛ وبموجبها، تقرر تقسيم لبنان إلى 5 دويلات، وسوريا إلى 5 دويلات، ومصر إلى دولتين (قبطية وإسلامية)، والعراق إلى دويلات عدة. كما أشارت خطة ينون إلى تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية إلى الأردن، وتقسيم السعودية إلى دويلات صغيرة. بناءً على ذلك، يُعد تقسيم الدول جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجيات الخارجية للكيان الصهيوني، ومن البديهي أن خطر هذا التوجه يتهدد الدول الإسلامية كافة؛ وكما أكد قائد الثورة الإسلامية: «إن الكيان الصهيوني يمثل خطراً جسيماً على العالم الإسلامي، وهو لا ينفك يفكر في توسيع نطاق نفوذه وهيمنته على المنطقة»[10].

 

[1]

https://www.aljazeera.net/news/2024/2/16/%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%86-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9

 

[2]

x.com/ar_khamenei/status/1318612949871767553?s=19

 

[3]

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2015/5/21/%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84

 

[4]

https://www.raialyoum.com/%d9%87%d9%84-%d8%ac%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%a8%d8%af%d9%88%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85/

 

[5]

https://www.youm7.com/story/2025/12/27/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%89-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A8%D9%80-%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF-%D8%AA%D9%85%D9%87%D9%8A%D8%AF-%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D9%88%D9%86%D8%B4%D8%B1/7249222

 

[6]

https://gate.ahram.org.eg/News/5379699.aspx

 

[7]

https://www.aljazeera.net/opinions/2025/7/28/%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

 

[8]

https://www.aljazeera.net/opinions/2025/7/28/%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

 

[9]

https://www.alquds.com/ar/posts/143807

[10]

https://farsi.khamenei.ir/news-content?id=8680

 

[1]

https://asharq.com/politics/165620/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84/

 

[2]

https://arabic.rt.com/world/1743972-%D9%85%D9%84%D9%88%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%BA%D8%A7%D8%B6%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88/

 

2026/01/07