logo khamenei

روايةُ يوم مفعم بالإيمان والبهجة

روايةُ يوم مفعم بالإيمان والبهجة

ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي تقريرًا من إعداد معصومة فروزان، يروي مشاهد يومٍ مميّز في حسينية الإمام الخميني حيث توافدت السيّدات من داخل إيران وخارجها لحضور لقاء قائد الثورة الإسلامية في 3/12/2025 بمناسبة ذكرى ولادة السيدة الزهراء (س). ويعرض التقرير أجواء الدخول والانتظار وتنوّع المشاركات، ثم يصف تفاعل الحاضرات مع المراسم والإنشاد والعروض السابقة لكلمة الإمام الخامنئي حول مكانة المرأة ودورها. ويختتم بإبراز السكينة التي عمّت صلاة الجماعة، وما خلّفه هذا اللقاء من أثر روحي ووجداني عميق.

الكاتبة: معصومة فروزان
 

كان الوقت ما بين الثامنة والنصف والتاسعة من ليل 2 تشرين الثاني/ديسمبر حينما اتّصلت بي صديقة من الناشطات الإعلاميات، وقالت: «إنّ اللقاء مع قائد الثورة الإسلامية، الذي كنتِ قد دُعيتِ إليه سابقًا في مناسبة ولادة السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) ويوم المرأة، سيُعقد غدًا، الأربعاء 3 تشرين الثاني/ديسمبر». امتلأ كياني كلّه بالاضطراب في لحظة. كيف يمكن أن أرتّب برامجي حتى أكون غدًا في الموعد داخل حسينية الإمام الخميني في شارع الجمهورية؟ لكن، راودني شوقٌ وتلهّف عجيبان إلى جانب القلق. دعوةٌ مفاجئة، ولكنّ فرصة بهذه الخصوصية والقيمة، ولقاء نائب صاحب الزمان، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، كانا حقًّا تجربة لا أريد أن أفوّت أي لحظة منها.

لمّا دخلتُ شارع «كشور دوست» رأيتُ مشهدًا لافتًا: سيداتٌ يرتدين العباءات، وأخريات لا، كنّ يُسارعن بشوقٍ كبير نحو الطوابير ليدخلن الحسينية في وقت أبكر. كأنّما كانت هناك مسابقة غير معلنة للوصول إلى {السابقون السابقون أولئك المقرّبون}.

كانت الجموع تتحرّك بحماسةٍ وهمهمةٍ لطيفة، وكانت بعض النساء يسكبن الطمأنينة على الأخريات بالصلاة على النبي. كانت سيّدتان رياضيّتان تتقدّمان نحو المدخل بملابس رياضية؛ ولكنّ عددًا يقارب العشرين من السيّدات كنّ واقفاتٍ أبعد قليلًا، وكنّ يرتدين كوفيّات مختلفة. كان لون أرضية الكوفية بنّيًا فاتحًا جدًا، حتى بدا من بعيد أبيض. كانت وجوههنّ مختلفة تمامًا؛ بعضهنّ من إفريقيا، وبعضهنّ من بلدان جنوب شرق آسيا. كان موظّف التدقيق يسأل بعضهنّ عن جنسياتهنّ: «الهند؟ باكستان؟ نيجيريا؟» وكانت الجموع تنظر إليهنّ بفضول، بينما تبسّمت بعض الحاضرات لهن ورحّبن بهن.

بعد عبور بوابات التفتيش وتسليم الهاتف والأغراض، مضيتُ بشوقٍ نحو الحسينيّة - بل كأنّي كنتُ أهرول! - وكان يمكن رؤية موجٍ من البهجة والسرور في وجوه السيّدات كلهن. كان بعضهنّ عند الدخول يُرددن الصلوات ليُسهِمْن في تيسير المرور من المدخل المزدحم وبعث الحماسة في الأخريات. كما كانت السيّدات اللواتي يرافقهنّ طفلان أو ثلاثة، بل وحتى رضّع صغار، يواصلْن الطريق إلى الحسينية بمحبّة وصبر.

أخيرًا دخلنا الحسينيّة. بينما كنت أتفحّص المكان لأجد موقعًا مناسبًا، لفتت نظري الألقابُ المنسوبة إلى السيّدة الزهراء سلام‌ الله‌ علیها، وقد كُتبت بخطّ جميل على امتداد جدران الحسينيّة: طاهرة، مرضيّة، صدّيقة، و…  برز إلى جوارها حديثُ النبيّ الأكرم صلی‌ الله‌ علیه‌ وآله: «خَیرُکُم خَیرُکُم لِنِسائِهِ».

كانت الجموعُ تستمرّ في الدخول كموجٍ هادئٍ متصل. لو توقّفتِ لحظاتٍ قليلة، لفاتكِ المكان الذي ترغبين فيه. كانت الحسينيّة تمتلئ شيئًا فشيئًا. في آخرها، وُضعت صفوفٌ من الكراسي، جلست عليها تلك السيّداتُ اللواتي يرتدين الكوفيات، بهدوءٍ وانتظام. هناك فقط أدركتُ أنّ هذا القسم مخصّص للضيفات الأجنبيات؛ مكان لائق، بترتيب واحترامٍ خاصّين، تمامًا مقابل المنصّة الرئيسية.

في الحقيقة، شعرتُ بشيءٍ من الغبطة؛ لا من جهة الحسرة على الموقع، بل لأنهنّ، من دون أيّ قلقٍ في العثور على مكان أو التزاحم مع الجموع، كنّ يُوجَّهْن بكلّ احترام ويجلسْن على الكراسي - وإن كانت المسافة بعيدة - لكنّهنّ كنّ ينعمْنَ براحةٍ كان لها في تلك اللحظة وقعٌ محبّب لديّ.

في النهاية، وبعد كل ما بذلتُه من سعيٍ وحرص، كان نصيبي الصفّ الأخير؛ لكنْ مباشرةً مقابل المنصّة. جلستُ هناك وقلتُ لنفسي: «يكفيني أنّني في وجه المنصة، وإن كنتُ بعيدة؛ يكفيني أنّني في هذه الحسينيّة، يكفيني أنّ بصري موجه إلى المنصّة… فهذا بحدّ ذاته نعمة مباركة.

بدأت المراسم. قدّمت مجموعةٌ من الفتيات الصغيرات من مدينة مشهد تلاوةً جماعية لـلقرآن، ثم بُثّت آياتُ {وَلَمّا بَرَزوا...} بصوت الأستاذ مصطفى إسماعيل، فملأتْ أجواءَ الحسينيّة بالسكينة والروحانيّة. كانت الحاضرات يستمعن بصمتٍ مؤثّر، وبعضهن يردّدن الآيات همسًا.

ثم جاء دورُ إنشاد المديح. وقف السيّد حائري خلف الميكروفون وبدأ بالإنشاد. كانت كلماتُ النشيد تُعرَض في الوقت نفسه على شاشتين كبيرتين داخل الحسينيّة، وكانت الحاضرات تشاركنه الإنشاد؛ صوتٌ جماعيٌّ منسجم صنع موجةً من الشوق والولاء. كانت الحاضرات يجبنه بالتصفيق والصلوات.

قبل بدء الخطابات والكلمات، شاركت مجموعةٌ من نخب السيّدات في المجالات العلمية والرياضية والاجتماعية تجاربَهنّ وإنجازاتِهنّ مع الحاضرات اللواتي كن يصغين بدقّة وحماسة كبيرة، وكان بعضهن يُجبن بتصفيقٍ طويل. ألقى هذا الجزء روحًا من اللهفة والإلهام في القاعة، وصنع أجواءً مفعمةً بالأمل والحافزية لحضور النساء في الساحات العلمية والثقافية والرياضية.

ثم دخلت فهيمة السادات هاشمي‌تبار، وهي من جرحى «الدفاع المقدّس»، على كرسيٍّ متحرّك. شكل ذلك لحظة مؤثّرة. تحدّثت بصوتٍ خنقته العبرة عن والديها، وأشارت إلى أنّ والدها كان يُوصيها دائمًا بأن تأخذ دراستها بجدّية، وأنّ العباءة التي ترتديها هي نفسها عباءة والدتها التي كانت ترتديها في الرحلات العبادية، ومن بينها زيارة الأربعين.... عندها، صلّت الحاضرات بصوتٍ عالٍ على النبيّ، فتشكّلت أجواءٌ مملوءة بالاحترام والتعاطف.

تحدّثت مقدّمةُ الحفل، السيّدة ترابي، بكلماتٍ مفعمةٍ بالصلابة عن دور النساء الإيرانيات في نصرة الوطن، ما دفع الحاضرات إلى تصفيقٍ طويل ومتتابع. كان بكاء الرضّع يُسمَع بين الفينة والأخرى، وكانت الأمهات اللواتي يحملن أطفالهنّ يُضطرِرن أثناء الخطاب إلى النهوض وهدهدة أطفالهنّ ليهدؤوا. نظرت إليهنّ بعض الحاضرات مبتسمات، حتى إنّ إحدى السيّدات الخادمات، وكانت ترتدي مقنّعةً فيروزيّة، حملت رضيعًا عن أمّه لتُعينها، فقابلتها الحاضراتُ بنظرات لطيفة وابتسامة.

كما إنّ حضور سيّداتٍ يرتدين أزياءً محليّة - فساتينَ من أقمشةٍ مطرزة ولامعة - وفي ناحيةٍ أخرى سيّداتٍ يضعن وشاح «كلوني» المعروف لدى نساء لُرستان، مع ثيابٍ طويلة، أضفى على المراسم مشهدًا خاصًّا وألوانًا متنوّعة، وأبرز جمالَ الثقافة في إيران وتنوعها.

كان البرنامج التالي عرضًا مسرحيًا تناول موضوع النساء الإيرانيات العظيمات والمجاهِدات، وما إن صعدت الفرقة إلى المنصّة، حتّى دوّى فجأة صوتُ التهليلات والتعبير عن الشوق تجاه سماحة السيد القائد. نهضت الحاضراتُ بحماسة، وكنّا نحن في الصفّ الأخير نقف على أطراف أصابعنا علّنا نتمكّن من رؤية سماحته، ولكن بلا جدوى… في تلك اللحظات، استفادت السيّدات اللواتي كنّ قد وُضعت لهنّ كراسٍ من موقعهنّ أفضل استفادة، فوقفن عليها ليحصلن على رؤية أوضح. بعد دقائق، خفّ الاضطراب قليلًا، وجلست الحاضراتُ واحدةً تلو الأخرى في أماكنهنّ. هنا فقط انتبهنا إلى أنّ الكرسيّ المخصّص لسماحته قد وُضعت، وأنّ الحاضرات في الصفوف الأمامية، ظنًّا منهنّ بدخول سماحته، عبّرن عن مشاعرهنّ؛ وقد امتدّ هذا التعبير إلى الصفوف الأخيرة أيضًا.

بدأ العرضُ المسرحي، وراح يحكي عن نساء عظیمات ومجاهِدات من محافظاتٍ مختلفة في إيران. ما إن انتهى المشهد الختامي، حتى انسدل الستار الأزرق، ودخل سماحة الإمام، عندها ارتفعت موجةُ الحماسة، والصلوات، ونداءات «الله‌ أكبر» عند رؤية سماحته، تعبيرًا عن المشاعر لحظة تنوُّر العيون بجمال وجهه. حين نظرتُ حولي، رأيتُ بعض الحاضرات يُرسلن الصلوات تلقائيًا، وبعضهنّ يردّدن «الله‌ أكبر»، وكانت عيون السيّدات العاشقات للولاية كلهن قد اغرورقت بالدموع.

بالتزامن مع خفوت الحماسة الأولى وجلوس الحاضرات، كان يُسمَع نشيجُ فتياتٍ شابّاتٍ يتلهّفن لرؤية سماحة الإمام، وكأنّ خيرَ رزقٍ إلهي قد نزل عليهنّ. كان بعضهنّ يُتمتِم بالدعاء، رافعاتٍ أيديهنّ علامةَ التضرّع، ويمسحن دموع الشوق بطرف العباءة أو المنديل أو الوشاح.

اللافت أنّ بعض هؤلاء الفتيات والسيّدات غير الإيرانيات، اللواتي كُنّ يجلسن أمامي، كنّ يمسحن دموعهنّ بطرف الكوفية التي يرتدينها، ولم أكن أتنبه إلى أنّهنّ ضيفاتٌ من أفريقيا أو من بلدان أخرى إلّا عندما كنّ يرفعن أيديهنّ على طرف الكوفية، فكان لونُ بشرتِهنّ ينبّهني إلى ذلك.

في خضمّ هذه اللحظات الجميلة والنورانيّة، يخطر في بالي أصدقائي وزملائي في محور المقاومة؛ من العراق إلى اليمن ولبنان وسوريا… بل وحتى القرن الأفريقي، وكذلك محبّو سماحته المقيمون في البلدان الغربيّة، ممّن يتمنّون حضورًا في حسينيّة الإمام الخميني رحمه ‌الله ولقاءً مع الإمام الخامنئي.

كانوا دائمًا يتمنّون أن يكونوا في مكاننا، وأن يعيشوا تحت ظلّ ولاية الفقيه وقائد المسلمين في العالم. الآن، في هذه اللحظات، رحت أفكّر كيف أستطيع أن أروي لهم هذا اليوم؛ كيف أسرد الرواية، دون أن تهتزّ قلوبهم شوقًا، بل يستمتعوا بها، وينالوا شيئًا - لو ذرة - من نور هذه اللحظات وحضورها.

كأنّي أريد أن أبلغهم قطرةً من هذه البهجة، ليحسّوا أنّ جزءًا من هذا الجمال وهذا الهدوء يستقرّ في قلوبهم، لو عبر المسافات والحدود.

بعد أن هدأت موجة الحماسة، دعت مقدّمةُ الحفل، السيّدة ترابي، زوجةَ الشهيد وأمَّ الشهيد، طالب العلم في الحوزة الدينية، عباس رشيد، إلى الصعود إلى المنصّة. تحدّثت السيّدة ترابي بكلماتٍ راسخة، مؤكّدةً دورَ النساء الإيرانيّات في نصرة الوطن وإسناده.

ثمّ ألقت الدكتورة ريحانة سلامي كلمتها، مشيرةً إلى أنّه لو لم تكن هناك نساءٌ إيرانياتٌ ثورياتٌ ومتعهدات، لما بلغَت إيران هذا الحجم من الاقتدار. لقد أثّرت كلماتُها في الحاضرات، وصنعت جوًّا مفعمًا باللهفة والتضامن.

ثم بدأ سماحته كلمته. وكانت الحاضراتُ يبدين تفاعلًا مع بعض مقاطع حديثه بالتصفيق والهتافات، وفي موضعٍ من كلماته ارتفعت أصواتُ التكبير؛ ولا سيّما عندما قال: «ينبغي ألا تُفرَض أعمالُ البيت على المرأة»، فكان ردُّ الحاضرات تصفيقًا عاليًا متواصلًا، وكأنّ موجةً من التأييد عمّت المكان، وبعضهنّ ردد الصلوات على النبي أيضًا. ثم تابع سماحته وقال: «المرأة هي مديرة المنزل ورئيسته» فتعالى تصفيقُ الحاضرات طويلًا وحارًّا، وسمعتُ صيحاتِ الفرح والتأييد. ثم أضاف سماحته: «على الرجال أن يُعبّروا عن محبّتهم لزوجاتهم؛ فيقولوا لهنّ: إني أحبّكِ» فعمّت الهمهمةُ بين الحاضرات، وضحكن، ثمّ أبدين تأييدهنّ بالتصفيق.

ثم أشار سماحته قائلًا: «يقول الغرب إنّ المرأة إذا التزمت بالحجاب وعيّنت لنفسها هذه الضوابط، فسوف تُحرَم من التقدّم؛ ولكنّ الجمهورية الإسلامية أبطلَت هذا المنطق المغلوط وسحقته تحت الأقدام»، فأجابت الحاضراتُ بالتكبير، وامتلأ المكان بالحماسة والهمهمة.

مع انتهاء كلمة سماحته وحلول وقت الأذان، أُقيمت صلاةُ الجماعة ختامًا للمراسم. شكّلت الحاضراتُ الصفوف بشوقٍ وسكينة. في تلك الأثناء، استغلّت الفتياتُ الصغيرات اللواتي جئن مع أمّهاتهنّ فرصةَ انشغال الأمهات بالصلاة، وصعدْن إلى المنصّة وبدأن باللعب، وكان صوتهنّ مسموعًا تمامًا أثناء الصلاة. كانت بعض الحاضرات ينظرن إليهنّ مبتسمات، وكان شعورُ الألفة والبهجة يفيض في المكان.

مع انتهاء صلاة الجماعة وهدوء الأصوات، بقيت الحاضراتُ لحظاتٍ في صمتٍ مفعمٍ بالخشوع والشكر. كانت الأبصار لا تزال معلّقةً بالمنصّة، والقلوب مملوءةً رجاءً ومحبّةً للولاية وإيمانًا، وكأنّ كلّ واحدةٍ كانت تختبر في أعماق نفسها رزقًا إلهيًا وسكينةً ربّانية. من الكبير إلى الصغير، ومن الأمّ وطفلها إلى الضيفات غير الإيرانيّات، عاش الجميعُ معًا لحظاتٍ نادرةً من الشوق والإيمان والانتماء إلى القيم؛ لحظاتٍ خالدة وملهمة، غادرت بعدها كلّ واحدةٍ الطريقَ إلى بيتها بقلبٍ مفعمٍ بالمحبّة والدعاء.

2025/12/09