«طوفان الأقصى»؛ فرصة للأمة الإسلامية ينبغي اغتنامها
ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقالة تتناول «طوفان الأقصى» بوصفها فرصة تاريخية للأمة الإسلامية، وتسلّط الضوء على دورها في ضرب الكيان الصهيوني وعرقلة التطبيع وإعادة فلسطين إلى صدارة المشهد، وتبيّن، في ضوء رؤية الإمام الخامنئي الشهيد ومواقف قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الخامنئي، إمكان اغتنام تداعياتها لتعزيز وحدة الدول الإسلامية وبناء نظام إقليمي مستقل بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
مرّت ثلاثة أعوام على 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ اليوم الذي أطاحت فيه عملية «طوفان الأقصى» التاريخية والكبيرة بإحدى أهم المعادلات الأمنية والسياسية في غربي آسيا، وكشفت الطبيعة الواهية للكيان الصهيوني الزائف. واليوم، بعد ثلاثة أعوام من الحرب والدمار والإبادة الجماعية التي ارتكبها الصهاينة والتحولات الواسعة في المنطقة، لعلّ من الممكن النظر إلى هذا الحدث من زاوية مختلفة: عملية «طوفان الأقصى»، لا بوصفها مجرد عملية عسكرية، بل فرصة تاريخية لتغيير النظام الإقليمي لمصلحة العالم الإسلامي.
ولعل هذه أهم نقطة في قراءة رؤية الإمام الخامنئي الشهيد لـ«طوفان الأقصى». فبعد ثلاثة أيام على بدء العملية، في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023، قال عنها سماحته: «كان هذا زلزالًا مدمّرًا، للكيان الصهيوني، ولداعميه، ولأمريكا نفسها». ثم أكد أن الكيان الصهيوني «مُني، عسكريًا واستخباريًا، بهزيمة غير قابلة للترميم».
لكن أهمية هذا التعبير لا تقتصر على توصيف هزيمة عسكرية. فـ«الهزيمة غير القابلة للترميم» تعني أن جزءًا من الصورة التي بنتها "إسرائيل" لنفسها على مدى عقود قد تصدّع: صورة القوة التي لا تُهزم، والمهيمنة على محيطها، والمتمتعة بتفوّق استخباري وأمني مطلق.
فرصة أوقفت التطبيع
قبل أربعة أيام فقط من «طوفان الأقصى»، قال الإمام الخامنئي الشهيد، خلال لقائه مسؤولي النظام وسفراء الدول الإسلامية وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية: «إن المقامرة على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أشبه بالمراهنة على حصان خاسر، ومحكوم عليها بالخسارة... الكيان الغاصب يحتضر وخو آيل إلى زوال».
ولهذا التزامن دلالته في سياق التحولات الإقليمية، حتى من دون افتراض وجود علاقة سببية بين الحدثين. فقبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، كان مشروع خطير وخياني يتشكّل، هدفه تحويل الكيان الزائف تدريجيًا من لاعب معزول ومثار نزاع إلى أحد أركان النظام الجديد في غربي آسيا وفي قلب الأمة الإسلامية؛ وهو المشروع الذي عُرف بالتطبيع أو «اتفاقيات أبراهام».
وبحسب اعتقاد كثير من المحللين واعترافات عدة، كانت الخطوة النهائية في مسار التطبيع، بانضمام المملكة العربية السعودية إلى هذا المحور والمشروع، على وشك الاكتمال.
كما كشف وزير الخارجية الأمريكي آنذاك أنتوني بلينكن، في مقابلة في تشرين الأول/أكتوبر 2024، أنه كان من المقرر أن يتوجه في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي بعد ثلاثة أيام فقط من الهجوم، إلى السعودية و"إسرائيل" للعمل على الشق الفلسطيني من اتفاق التطبيع.
وكان جوهر هذا المشروع يقوم على إمكان تهميش قضية فلسطين الشريفة من دون حلها، وصوغ نظام جديد كان من الممكن أن يقود حتى إلى إغلاق ملف فلسطين والمقاومة.
لكن مع «طوفان الأقصى» عادت فلسطين مرة أخرى إلى قلب السياسة الإقليمية والعالمية. فالقضية التي ظنّ بعضهم أنه يمكن تجاوزها عبر الاتفاقيات والرشاوى الاقتصادية والعقود الأمنية والعلاقات الدبلوماسية، عادت لتصبح أهم قضية سياسية في المنطقة.
ومن هذا المنظور، كانت إحدى أولى الفرص التاريخية التي أتاحها 7 تشرين الأول/أكتوبر وقف مسار التطبيع الخياني مع "إسرائيل" من دون حل القضية الفلسطينية.
ومع ذلك، إذا حلّلنا «طوفان الأقصى» فقط في إطار العلاقة بين إيران وفلسطين و"إسرائيل"، فسوف نفقد جانبًا أكثر أهمية من المشهد.
كان «شهيد القدس» آية الله العظمى السيد علي الخامنئي قد عدّ في خطابه بتاريخ 3 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن سبيل مواجهة التدخل الأمريكي هو «اتحاد الدول الإسلامية واتخاذ نهج موحد حيال القضايا الأساسية». وأكد أن دول المنطقة، إذا تنسقت في القضايا الأساسية، فإن القوى الخارجية ستصبح أقل قدرة على التدخل وممارسة الضغوط.
وفي الحقيقة، تجاوز هذا الكلام قضية فلسطين نفسها. فإذا كان مقدرًا لـ«السابع من أكتوبر» أن يتحول إلى نقطة انعطاف تاريخية، فإنه كان قادرًا على أن يشكل بداية لسؤال أكبر: لماذا ينبغي أن يبقى أمن غربي آسيا معرّفًا من خارج المنطقة وعبر تدخل استعماري؟ ولماذا ينبغي أن يبقى أمن الخليج الفارسي مرتبطًا بالوجود العسكري الأمريكي؟ ولماذا تحتاج دول المنطقة إلى الاتكاء على قوى من خارج الإقليم لمواجهة بعضها بعضًا؟ ولماذا يجب أن تعني الخلافات بين إيران والسعودية وتركيا ومصر وسائر دول المنطقة بالضرورة ارتهانها للقوى الكبرى؟ تلك القوى التي يتمثل هدفها في ابتلاع مصالح المنطقة كلها من أجل فرض هيمنتها على العالم؟
ومن هذا المنظور، كان من الممكن أن يشكّل 7 تشرين الأول/أكتوبر فرصة حقيقية لقيام تحالف إقليمي مستقل؛ بل تحالف من أجل الأمن المشترك، والخروج التدريجي للقوات الأجنبية، ومناهضة الاحتلال والحرب، وإنشاء ترتيبات أمنية نابعة من المنطقة نفسها.
لكن بعد ثلاثة أعوام على عملية طوفان الأقصى، يبرز سؤال مقلق: هل استفادت المنطقة من هذه الفرصة؟
يبدو أن دول المنطقة كان بإمكانها، ولا يزال بإمكانها، الإفادة من الإمكانات التي أوجدتها أزمة فلسطين من أجل بلورة هندسة أمنية مشتركة ومحلية المنشأ. لكن بدل السير في هذا الاتجاه المحلي والإسلامي، نشهد أحيانًا تشكّل تحالفات قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات وإقامة اصطفافات هدفها تقييد أجزاء من جبهة المقاومة، مثل اليمن.
وفي مثل هذه الظروف، تظل الولايات المتحدة قادرة على أداء أدوار تفرضها ماهيّتها الاستكبارية، من قبيل دور الحكم، ومزوّد الأمن، والقوة الموازنة بالنسبة إلى دول المنطقة.
ويستمر هذا المنظور أيضًا في مواقف قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الخامنئي؛ ففي رسالته بمناسبة موسم الحج عام 1447 هجري قمري، وضع «طوفان الأقصى» في سياق مسار أوسع من التقارب بين جبهة المقاومة والعالم الإسلامي. وكتب في هذا الشأن: «إن سلاح الله أكبر نفسه هو الذي أحكم أواصر الارتباط بين الأمة الإسلامية والشباب المجاهد في جبهة المقاومة...»، ثم قدّم «طوفان الأقصى» بوصفها إحدى ثمار هذا الارتباط.
لكن الأهم هو مقطع آخر من رسالته، يتحدث فيه مباشرة عن النظام الإقليمي المقبل: «إن لدى الأمة الإسلامية وشعوب المنطقة إمكانات ومصالح مشتركة كثيرة، ستسهم في تشكيل النظام الجديد وهندسة المستقبل للمنطقة والعالم».
كما يظهر بوضوح إيمانه بإمكان قيام نظام إقليمي جديد على أساس تحالف الدول الإسلامية، ومحورية فلسطين، حين يقول: «أدعو جميع الدول والحكومات الإسلامية إلى الصداقة والتعاون على الخير والإحسان، لكي نمضي بالتعاون بعضنا مع بعض في طريق تقدم الأمة الإسلامية وحل قضايا العالم الإسلامي».
كما يؤكد آية الله السيد مجتبى الخامنئي في الرسالة نفسها: «إن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء، وشعوب المنطقة وبلدانها لن تبقى بعد اليوم دروعًا للقواعد الأمريكية...».
واليوم، في الذكرى السنوية الثالثة للعملية الكبرى «طوفان الأقصى»، لعل السؤال الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على مقدار ما ألحقه «السابع من أكتوبر» بـ"إسرائيل" من ضربات، أو على مقدار ما حققته العملية من أهدافها العسكرية. السؤال الأكبر هو: هل تمكنت دول المنطقة، ولا سيما دول العالم الإسلامي، من الاستفادة من الشرخ الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى في النظام القديم، من أجل بناء نظام جديد ومستقبل مشرق للعالم الإسلامي؟
«لقد حان الوقت الآن لكي يفكر المسلمون مليًا، وينظروا إلى الأحداث بدقة أكبر. فلو كان المسلمون يدًا واحدة، يقبضون قبضتهم بإحكام، هل كان الشعب الفلسطيني سيُترك على هذا النحو بلا نصير، عرضة لظلم المحتلين وجرائمهم؟ ولو أن شعوب الدول وحكوماتها الواقعة على ضفاف الخليج الفارسي أقامت اتحادها تحت راية الإسلام، هل كانت تلك الشراذم الفاسدة عديمة الهوية تجرؤ على أن تطمع، من آلاف الكيلومترات، في أراضيهم وممتلكاتهم؟
إن توصيتي المؤكدة والمتكررة لحكام الدول الإسلامية، ولا سيما دول غربي آسيا ودول الخليج الفارسي، هي أن اعرفوا عدوكم الحقيقي، وافهموا مخططه، وواجهوه. إن علاج مشكلات الأمة الإسلامية هو وحدة الكلمة، والصداقة، والتعاون في طريق الخير والإحسان».
2026/10/13

