حرب السرديّات من ساحات التجاذب العالمي

لماذا لم تصل سرديّة إيران حول السيطرة على السفارة إلى الغرب؟

لماذا لم تصل سرديّة إيران حول السيطرة على السفارة إلى الغرب؟

ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي مقابلة مع محمد محبوبي، مؤلف كتاب «محطة شارع روزفلت»، يتناول فيها الروايتين الإيرانية والأمريكية للسيطرة على السفارة الأمريكية عام 1979، ويبيّن جذور تسمية «وكر التجسس» والتدخلات الأمريكية التي سبقت السيطرة عليها، كما يتطرق إلى حرب السرديات، واهتمام الإمام الخامنئي الشهيد بالكتاب ودور البحث العلمي في مواجهة هذه الحرب.

بماذا تختلف روايتكم بشأن السيطرة على «وكر التجسس» عن الروايات الداخلية والخارجية لهذا الحدث؟
في الدراسات التي أُجريت حول العلاقات الإيرانية-الأمريكية، ولا سيما السيطرة على السفارة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر 1979، نجد روايات مختلفة، لكن يمكن الحديث عن روايتين رئيسيتين، ضمن تصنيف أكثر عمومية: إحداهما الرواية الأمريكية، والأخرى الرواية الإيرانية. والمقصود بالرواية الأمريكية والرواية الإيرانية ليس أن كتّابها وباحثيها ورواتها أمريكيون أو إيرانيون، أو أنها تستند إلى مصادر ووثائق أمريكية أو إيرانية؛ بل المقصود أن زاوية النظر في الرواية تقع إما في جانب الحكومة الأمريكية، وإما في جانب المجتمع الإيراني. فالرواية الأمريكية تنظر إلى العلاقات بين البلدين وأحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1979 من «زاوية نظر حكومة الولايات المتحدة» ومصالحها في إيران. وكما نعلم، فإن مصالح الحكومة الأمريكية في إيران، منذ السيطرة على السفارة وحتى اليوم، قد زالت أو ضعفت بشدة على أقل تقدير. أما الرواية الإيرانية، التي تعكس «زاوية نظر المجتمع الإيراني»، فترى في السيطرة على السفارة الأمريكية ضمانة لاستقلال إيران بعد الثورة وصونًا لمصالحها الوطنية.
فعلى امتداد التاريخ المعاصر، كان المجتمع الإيراني يرى دائمًا أن المصالح الوطنية الإيرانية تأتي في مرتبة أدنى من مصالح القوى الأجنبية. وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت مصالح بريطانيا وروسيا في إيران تتقدم دائمًا على المصالح الوطنية الإيرانية، مما أسفر عن امتيازات واحتكارات في مجالات مثل النفط وإنشاء الطرق وخطوط التلغراف وصيد الأسماك وغيرها. وكانت أبرز نتائج تقديم مصالح القوى الأجنبية على المصالح الوطنية الإيرانية احتلال البلاد في كلتا الحربين العالميتين؛ فعلى الرغم من إعلان إيران الحياد في الحربين، احتل الروس والبريطانيون إيران لتأمين مصالحهم في الحرب. وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع تراجع قوة الدول الأوروبية، أخذ الأمريكيون يوسعون نفوذهم في إيران تدريجيًا، وكما كان الحال في السابق، باتت المصالح الأمريكية في إيران تتقدم على المصالح الوطنية للإيرانيين. وأبرز مثال على ذلك انقلاب عام 1953 الذي استهدف حركة وطنية بقيادة الدكتور مصدق. لقد كان تأميم صناعة النفط في خمسينيات القرن العشرين أكبر تجلٍّ لتأمين المصالح الوطنية الإيرانية، لكن مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا كانت تقتضي ألا تسمحا للإيرانيين بذلك. وهذه مسألة تغفل عنها مؤلفات كثيرة، لكن إذا أخذنا في الاعتبار هذه الذاكرة الجمعية للإيرانيين بشأن الأضرار التي ألحقتها القوى الكبرى بمصالحهم الوطنية، فسنصل إلى رواية مختلفة للسيطرة على السفارة الأمريكية.
لماذا أطلق الإيرانيون على السفارة الأمريكية اسم «وكر التجسس»؟
إن مصطلح «وكر التجسس» في الأدبيات الشعبية الإيرانية هو نتاج تلك الذاكرة الجمعية ذاتها التي تشكلت بفعل الانقلاب الأمريكي عام 1953 على الحركة الوطنية الإيرانية. كان المجتمع الإيراني آنذاك ينظر إلى السفارة الأمريكية بوصفها مقرًا للانقلاب على حكومة مصدق القانونية، ويرى أنها تسعى إلى تنفيذ انقلاب مماثل ضد الثورة الإسلامية والنظام السياسي المنبثق منها. ومن اللافت أن استخدام مصطلح «وكر التجسس» يعود إلى ما قبل السيطرة على السفارة الأمريكية؛ ففي الأيام التي دخل فيها الشاه إلى الولايات المتحدة وكان الناس يتظاهرون أمام السفارة الأمريكية، كان من بين شعاراتهم: «السفارة الأمريكية، وكر الجواسيس هذا، يجب أن تُغلق». وكان هذا الشعار وغيره من الشعارات المشابهة تعبيرًا عن إدراك المجتمع الإيراني وذاكرته الجمعية، وهو إدراك ترسخ أكثر فأكثر، بالمناسبة، بعد اكتشاف وثائق السفارة.
هل كنا نحن من بدأ العداء بعد الثورة أم الأمريكيون؟ وهل بدأت مشكلتنا مع الأمريكيين بالسيطرة على السفارة؟
إن إحدى نقاط الاختلاف بين الروايتين الإيرانية والأمريكية تتمثل تحديدًا في المسألة التي أشرتم إليها؛ أي مَن بدأ العداء بين إيران والولايات المتحدة ومَن تسبب في نشوء مشكلات العلاقات الثنائية. وكما ذكرت سابقًا، فإن الرواية السائدة التي نراها في مؤلفات الجانب الأمريكي تقول إن إيران، باحتلالها السفارة الأمريكية في طهران واحتجازها الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن لمدة 444 يومًا، قد أثارت غضب الأمريكيين، وإن قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين خلال هذه الحادثة أدى إلى بقاء القضايا العالقة بين إيران والولايات المتحدة من دون حل، واستمرارها حتى يومنا هذا.
أما الجانب الإيراني، فينظر إلى السيطرة على السفارة بوصفها إجراءً رادًّا واستباقيًا حال دون تدخل الأمريكيين في الشؤون الداخلية الإيرانية ودون عملياتهم ضد الثورة الإيرانية. فقد كان الإيرانيون يخشون تكرار انقلاب عام 1953 الذي أعقب تأميم صناعة النفط، وبالفعل، فإن الوثائق التي اكتُشفت لاحقًا في السفارة الأمريكية أكدت هذه المخاوف أيضًا.
فمثلًا، كان الإيرانيون يعدّون القرار المناهض لإيران الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في أيار/مايو 1979، بعد تمهيد من السيناتور جاكوب جافيتس (Jacob Javits)، تدخلًا في الشؤون الداخلية لبلادهم، حتى إن وزارة خارجية الحكومة المؤقتة اعترضت على هذا القرار؛ كما أن منح الشاه اللجوء والسماح له بدخول الأراضي الأمريكية لم يكن يُفهم إلا بوصفه عملًا عدائيًا تجاه جمهورية إيران الإسلامية. ومن اللافت أن حكومة الولايات المتحدة تمنح اللجوء لشاه إيران الذي فر من البلاد ويسعى الإيرانيون إلى استعادته ومحاكمته، لكنها، في المقابل، تختطف نيكولاس مادورو، الرئيس القانوني لفنزويلا، خلال فترة رئاسته! كما أن وجود السفن الحربية الأمريكية بالقرب من السواحل الإيرانية كان يزيد من هذا الشعور بالخطر.
كانت هذه مشاهدات واضحة عاينها الإيرانيون قبل السيطرة على السفارة، وشعروا بسببها بالخطر من جانب الأمريكيين. لكن كانت هناك أيضًا عمليات سرية لم يكن الإيرانيون على علم بها، ولم يطّلعوا عليها إلا بعد اكتشاف وثائق السفارة الأمريكية، ولا سيما وثائق محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). وقد أصبحت هذه الوثائق لاحقًا مستندًا لإثبات أن السيطرة على السفارة الأمريكية حالت دون تنفيذ مخططات ضباط الوكالة في إيران. فعلى سبيل المثال، كانت إحدى العمليات السرية للـCIA في إيران تتمثل في إنشاء ائتلاف يضم الجماعات «المعتدلة». وكانت الوكالة تسعى إلى جمع الجماعات التي كانت توافق على تأمين المصالح الأمريكية في إيران حول آية الله شريعتمداري، وإزاحة «المتشددين»، أي آية الله الخميني والجماعات التابعة له، والاستيلاء على السلطة. ولم يكن لهذا الائتلاف السياسي أن يتشكل أصلًا لولا دور محطة الـCIA واستثمارها فيه.
ومن الأمثلة الأخرى على هذه التدخلات، التأثير في قرارات الحكومة المؤقتة، وهو ما كان يجري عبر عباس أمير انتظام، أحد مصادر الـCIA داخل الحكومة المؤقتة. وكانت تُتابَع عبر هذه القناة مخططات مختلفة، كان أبرزها إعادة فتح قواعد «تاكسمان» (TACKSMAN) للرصد الإلكتروني في شمال شرقي إيران ضد الاتحاد السوفياتي. ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن ذكرها تجنيد عدد كبير من عملاء الـCIA داخل الجيش، وهي عملية بدأت في شباط/فبراير 1979 واستمرت حتى تشرين الثاني/نوفمبر 1979، حين تمت السيطرة على السفارة. ولم يكن هؤلاء العسكريون بالضرورة أشخاصًا يملكون إمكانية الوصول إلى المعلومات، بل كان بينهم عناصر عملياتيون، مثل قائد كتيبة مروحيات كوبرا، وحتى طيار مقاتلة إف-14. وفي إحدى الوثائق المهمة، أفاد توم أهيرن (Tom Ahern)، رئيس محطة الـCIA في طهران، في مراسلة مع ستانسفيلد تيرنر (Stansfield Turner)، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بأن الجيش لم يستعد انضباطه بعد، وأنه ما لم يستعد الجيش انضباطه، فلن يكون بوسعنا فعل شيء.
وتُظهر هذه الأمثلة وغيرها أنه حتى لو وضعنا انقلاب عام 1953 جانبًا، فإن الأمريكيين كانوا قد بدأوا إجراءاتهم العدائية قبل السيطرة على السفارة، وأن أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1979 كانت ردًا على هذه الإجراءات والتدخلات.
لماذا طالت الاتفاقات والمفاوضات؟ وهل كنا، كما هي الحال هذه الأيام حين نُتهم بعرقلة المفاوضات، مسؤولين فعلًا عن عدم التوصل إلى اتفاقات بشأن إطلاق سراح الرهائن؟
كانت لإطالة أمد مفاوضات إطلاق سراح الرهائن أسباب مختلفة شرحتها بالتفصيل في الكتاب؛ لكن إذا أردت إيجازها، فإن أحد الأسباب الرئيسية لطول هذه العملية كان عدم اكتمال تشكيل المؤسسات الرسمية في البلاد بعد الثورة. وأقصد هنا تحديدًا تشكيل «مجلس الشورى»، الذي كان ملزمًا، وفقًا لما قاله الإمام الخميني، بأن يقر في المرحلة الأولى الآلية والشروط الخاصة بإطلاق سراح الرهائن. غير أن عملية تشكيل المجلس وبدء عمله استغرقت بعض الوقت.
وكان ثمة عامل آخر أسهم في إطالة أمد المفاوضات وأفضى إلى اتفاقات ناقصة لم يكن من الممكن تنفيذها، وهو استغلال بعض الشخصيات للمفاوضات لمصلحة تياراتها السياسية. وكما أوضحت في الكتاب، حاول بعض رجال السياسة أداء دور بطريقة تتيح لهم تحقيق مصالحهم الشخصية والفئوية من خلال هذه المفاوضات. وبعبارة أخرى، كانت مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة عام 1980 إحدى أدوات تحقيق المصالح الشخصية والفئوية في المناخ السياسي الإيراني، وكان بعض السياسيين يرون في حل هذا الملف سبيلًا لتعزيز نفوذهم في الساحة السياسية الإيرانية. والمفاوضات السرية التي أجراها صادق قطب زاده مع هاميلتون جوردان مثال على ذلك.
وبالطبع، كان هذا الوضع قائمًا في الولايات المتحدة أيضًا؛ فمن وجهة نظر كثير من السياسيين الأمريكيين، كان حل الملف الإيراني قادرًا على منحهم اليد العليا في المنافسات الانتخابية، وفي المقابل كان إخفاق الحزب المنافس في الملف الإيراني يُستخدم أداةً لإلحاق الهزيمة به.
هل حظيت روايتكم باهتمام الأوساط العلمية الغربية والأمريكية؟ أم أنهم يصرّون على الروايات الأحادية الجانب؟ وهل اهتم ناشر مرموق أو وسائل الإعلام العالمية بروايتكم؟ وإن لم يحدث ذلك، فلماذا؟
للأسف، لم تتمكن الرواية الإيرانية لواقعة السيطرة على السفارة الأمريكية من تحقيق حضور يُذكر في الأوساط العلمية الغربية. ولهذه المسألة أسباب مختلفة، يعود بعضها إلى الغربيين وبعضها الآخر إلى الإيرانيين. أما الجانب المتعلق بالغربيين، فيرتبط بقوة الغرب ووسائل إعلامه القادرة على تشكيل معرفتنا. وقد تناول إدوارد سعيد هذه المسألة بوضوح في كتابه «Covering Islam» (تغطية الإسلام)، موضحًا كيف مثّلت وسائل الإعلام والجامعات الغربية واقعة السيطرة على السفارة الأمريكية، وكيف أسهمت في تشكيل تصوراتنا عن العلاقات الإيرانية-الأمريكية.
لكن هذه ليست القصة كاملةً؛ فهناك جانب آخر من الأسباب يقع، في رأيي، على عاتق الإيرانيين، وهو بالمناسبة ليس قليل الأهمية. من التقاليد المفيدة لدى الأمريكيين، التي أسهمت إلى حد كبير في ترسيخ روايتهم، تدوين اليوميات والمذكرات. ففي واقعة السيطرة على السفارة، نشر جميع اللاعبين الرئيسيين في الحكومة الأمريكية تقريبًا، ومن بينهم جيمي كارتر، وسايروس فانس، وستانسفيلد تيرنر، وهارولد براون، وهاميلتون جوردان وغيرهم، يومياتهم أو مذكراتهم على الأقل، وهي تمثل مصادر أولية للبحث. كما ألّف كثير من الرهائن، بالطريقة ذاتها، كتبًا في مذكراتهم ونشروها. كذلك فإن الوثائق الرسمية، مثل وثائق وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، متاحة للباحثين إلى حد ما.
أما في المقابل، فلا يتوافر لدينا الكثير من المذكرات واليوميات للاعبين الإيرانيين، وهو ما يجعل استخلاص الرواية الإيرانية بالغ الصعوبة. والأهم من ذلك أن هذه المصادر القليلة نفسها غالبًا ما تكون باللغة الفارسية، ولذلك لا يستطيع الباحثون الغربيون الذين لا يعرفون الفارسية الاستفادة منها. وبالطبع، توجد بضعة كتب فقط نُشرت باللغة الإنجليزية؛ فمثلًا، نُشرت باللغة الإنجليزية مذكرات السيدة معصومة ابتكار، التي كانت إحدى الطالبات المسلمات السائرات على نهج الإمام، بعنوان «Takeover in Tehran: The Inside Story of the 1979 U.S. Embassy Capture»، لكن هذه الحالات القليلة لا تكفي إطلاقًا لتلبية احتياجات الباحثين الدوليين.
لماذا أولى الإمام الشهيد كتابكم اهتمامًا خاصًا؟
أعتقد أن أوضح إجابة عن سؤالكم هذا ينبغي البحث عنها في نص تقريظه للكتاب. فقد كان ينظر إلى ميدان البحث العلمي بوصفه أحد ميادين الحرب الإعلامية وحرب السرديات، وكان يرى ضرورة العمل المكثف في هذا المجال. وهذا هو المضمون بعينه الذي أشرت إليه سابقًا نقلًا عن كتاب «Covering Islam» لإدوارد سعيد. إذ يرى سعيد أن القوى الكبرى تستخدم الأبحاث الأكاديمية والدعاية الإعلامية لإنتاج المعرفة وتشكيل الوعي في المجتمعات.
وكان قائد الثورة الإسلامية، الشهيد الإمام الخامنئي، يرى أيضًا أن «حرب السرديات» أحد ميادين «الصراعات العالمية» التي تُقلَب الحقائق من خلالها رأسًا على عقب. ومع ذلك، لا تزال لدينا فجوات إعلامية كبيرة ينبغي سدها. وفي رأيي، يدل الاهتمام الخاص الذي أبداه الإمام الشهيد على أننا في أمسّ الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الأكثر عمقًا في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، وأن هذه الأبحاث قادرة على إنتاج القوة.

2026/11/03